اكتشاف طبي جديد يُمكن العلماء من صنع كلية تقبل كل فصائل الدم!

ضحى نبيل

لطالما كانت مشكلة زراعة الأعضاء، وتحديداً الكُلى، تتجاوز مجرد توفر العضو، لتصل إلى التحدي الأعمق وهو توافق فصائل الدم. فلفترات طويلة، يواجه المرضى من فصائل دم معينة صعوبة مضاعفة في العثور على متبرعين متوافقين، مما يؤدي إلى زيادة هائلة في قوائم الانتظار أو عدم الاستفادة من أعضاء متاحة لكنها غير متوافقة.

لكن خطوة علمية ثورية، بقيادة فريق بحثي مشترك من جامعة كولومبيا البريطانية (UBC) وشركة Avivo Biomedical، قد تكون المفتاح لحل هذه المعضلة. فقد نجح الفريق في تحويل كلية بشرية من فصيلة الدم A إلى فصيلة O باستخدام إنزيمات متخصصة، ومن ثم زراعتها في جسم متلقِ ميت دماغيًا.

هذه التقنية تحمل إمكانية تطبيق واسعة قد تُنهي مشكلة عدم التوافق بين فصائل الدم، وتفتح عهداً جديداً في مجال زراعة الأعضاء. في هذا المقال سنتعرف على تفاصيل هذا الإنجاز، أهميته، والتحديات التي تقف أمامه.

ما العلاقة بين فصائل الدم وزراعة الكلى من الأساس؟

لكي تفهم مدى ضخامة هذا الإنجاز، تحتاج لأن تعرف أهمية فصائل الدم فيما يخص زراعة الأعضاء:

نحن نعرف 4 فصائل للدم وهم A, B, AB, O وكل منهم يختلف عن الآخر، فما يجعل فصيلة الدم A مختلفة عن B مثلاً هو وجود نوع معين من المستضدات (Antigens) فيها مختلف عن ذلك الموجود في باقي الفصائل، المستضدات عبارة عن جزيئات سكرية موجودة على سطح خلايا الدم وداخل الأوعية الدموية للأنسجة، وهي بمثابة بطاقة تعريف يقرأها الجهاز المناعي. إذا كان العضو المزروع يحمل مستضدات غير مألوفة للمتلقي، يهاجمها جهاز المناعة سريعاً، مسبباً ما يُعرف بـ الرفض المناعي.

ستجد في هذا الجدول توضيح لنوع المستضدات الموجودة بكل فصيلة.

image 1 اكتشاف طبي جديد يُمكن العلماء من صنع كلية تقبل كل فصائل الدم! مجلة نقطة العلمية

بناءً على ذلك ستجد أن فصيلة O تُعتبر “متبرعاً عاماً” لأنها تفتقر إلى مستضدات A و B التي تثير استجابة مناعية لدى الآخرين وبالتالي يمكن أن يتبرع صاحبها لأي شخص مهما كانت فصيلة دمه، لكن على الجانب الآخر فالمرضى من فصيلة O هم الأكثر تضرراً لأنهم لا يمكنهم استقبال أية أعضاء إلا من فصيلة O، مما يجعلهم ينتظرون وقتاً أطول بكثير للحصول على عضو متوافق.

هذا التنافر الفصائلي هو بالضبط ما يمنع استخدام العديد من الأعضاء المتبرع بها حالياً.

كيف تعمل تلك التقنية الحديثة؟

طور الفريق في UBC و Avivo Biomedical إنزيمات لديها القدرة على قص وإزالة السكريات التي تشكل مستضدات فصيلة A من سطح خلايا الكلية التي يملكها مريض فصيلة دمه A، ثم تم استخدام جهاز تروية خاص كتلك الأجهزة التي تستخدم في الغسيل الكلوي، وذلك لضخ محلول يحوي هذه الإنزيمات عبر الكلية وهي خارج الجسم. سمحت هذه التروية للإنزيمات بالتفاعل العميق مع أنسجة الكلية لإزالة مستضدات A.

أدت هذه المعالجة إلى إزالة نسبة كبيرة من مستضدات فصيلة A، مما جعل الكلية تبدو مناعياً وكأنها من فصيلة O. ولذلك أطلق عليها اسم ECO Kidney، اختصاراً لـ Enzyme-Converted O.

التجارب السريرية هنا هي الفيصل!

لتقييم مدى أمان وفعالية هذه الكلية المحوّلة، تم إجراء تجربة غير مسبوقة:

زُرعت الكلية المحوّلة (ECO) في متلقٍّ ميت دماغيًا، بعد موافقة العائلة. هذه الخطوة سمحت للباحثين بدراسة رد فعل الجهاز المناعي بدقة دون تعريض حياة مريض حي للخطر. على مدار أول يومين، عملت الكلية بشكل جيد دون ظهور أي علامات للرفض المناعي الفائق (Hyperacute Rejection)، وهو الرفض الفوري المميت الذي يحدث عادةً في حالات عدم التوافق في فصائل الدم.

في اليوم الثالث، لوحظت عودة خفيفة لبعض مؤشرات فصيلة A، مما أثار استجابة مناعية بسيطة. كان هذا متوقعاً بالنسبة للأطباء ولكنه أشار إلى أن العملية قد تحتاج إلى تعديل لضمان الإزالة الدائمة للمستضدات، لكن الأهم هو أن الاستجابة المناعية كانت أقل حدة بكثير من الزراعة غير المتوافقة كلياً، وهو ما يمثل بادرة أمل في إنهاء قوائم الانتظار الطويلة.

لما حازت تلك التقنية على هذا الاهتمام الكبير؟

image 2 اكتشاف طبي جديد يُمكن العلماء من صنع كلية تقبل كل فصائل الدم! مجلة نقطة العلمية

يمثل هذا الإنجاز قفزة نوعية لأسباب عديدة:

  1. توسيع هائل لقاعدة المتبرعين: يمكن للأعضاء المحولة أن تُزرع في عدد أكبر بكثير من المرضى بغض النظر عن فصائل دمهم، مما سيقلل قوائم الانتظار بشكل جذري، خاصة للمرضى من فصيلة O.
  2. تقليل الحاجة للعلاجات المعقدة: تقليدياً، تتطلب زراعة الأعضاء غير المتوافقة إجراءات معقدة ومكلفة للمريض (مثل إزالة الأجسام المضادة من الدم). هذه التقنية تركز على تحويل العضو نفسه بدلاً من علاج المتلقي، ما قد يقلل من شدة الأدوية المثبطة للمناعة والمخاطر الجانبية المصاحبة لها.
  3. زيادة العدالة في التوزيع: ستساهم التقنية في خلق نظام زراعة أعضاء أكثر عدالة، حيث لا يُعاني المرضى من فصائل معينة من انتظار أطول مقارنة بغيرهم.
  4. تطبيقات أوسع للأعضاء: إذا ثبتت نجاحها على الكلى، يمكن تطبيق تقنية التحويل الإنزيمي على أعضاء حيوية أخرى مثل الكبد، القلب، أو الرئتين، مما يمهد لظهور “أعضاء عالمية” يمكن زرعها في أي متلقٍ.

لكن كأي اكتشاف علمي جديد، هناك تحديات علينا تخطيها!

على الرغم من التفاؤل، لا تزال هناك تحديات علمية وتنظيمية يجب تجاوزها قبل أن تصبح هذه التقنية معياراً عالمياً:

  • إزالة المستضدات الدائمة: يجب تطوير طريقة لضمان عدم عودة ظهور مستضدات فصيلة A مرة أخرى على المدى الطويل بعد الزرع.
  • السلامة على المدى الطويل: التجربة الحالية كانت قصيرة جداً (أيام). يجب إجراء دراسات سريرية موسعة على مرضى أحياء لسنوات للتأكد من أن الكلية المحولة تعمل بكفاءة على المدى البعيد وأن الإنزيمات لا تسبب ضرراً للأنسجة.
  • التكلفة: يجب التأكد من أن عملية التحويل الإنزيمي يمكن تنفيذها بتكلفة معقولة وفي مراكز زراعة الأعضاء حول العالم.
  • الموافقة الأخلاقية والتنظيمية: يتطلب زرع أعضاء “معدلة إنزيميًا” في متلقّين أحياء موافقات أخلاقية وطبية شاملة، وإثبات الأمان والفعالية بشكل قاطع.

في النهاية نتفق على نجاح العلماء فعلاً في إثبات جدوى تحويل كلية من فصيلة A إلى O باستخدام إنزيمات متخصصة، وهو ما يفتح باباً واسعاً أمام تقليص القيود التي تتعلق بفصائل الدم في زراعة الأعضاء. ورغم أن التجارب ما زالت في مراحلها المبكرة جداً، إلا إنها تمثل خطوة عملاقة نحو حل أزمة نقص الأعضاء وتقليص قوائم الانتظار.

إذا نجح الباحثون في التغلب على التحديات المتعلقة بدوام الإزالة والاستجابة المناعية طويلة الأمد، فقد نشهد مستقبلاً تكون فيه معظم الأعضاء المتبرع بها “عالمية”، مما ينقذ مئات الآلاف من الأرواح حول العالم.

شارك المقالة