اشكالات وقضايا مركزية في بحث النموّ (2)

mtahhan

تفاعل طفل والدين
3) مالذي يدفع النموّ للأمام؟ طرفي الاجابة عن هذا السؤال هما: العامل الوراثي مقابل تأثير المجتمع المحيط. التوجه البيولوجي للأمور يتحدث عن “برنامج بيولوجي معد” الموجود داخل الانسان، ويدعي أن أساس النمو متوفر أصلا في سيرورة النضوج، بحيث يكون في كل مرة ينضج بها جهاز بيولوجي معين وهو الأمر الذي يدفع النموّ للأمام. أحد الاثباتات على ذلك هو التشابه بين الأولاد في الحضارات المختلفة، فتجد أن جميعهم يبدأ في السير على الأقدام تقريبا في ذات السن. أما التوجه المتعلق بتأثير المجتمع المحيط فانه يتحدث عن سيرورة التعلم من العالم الخارجي (المجتمع المحيط) وذلك يتمثل في قدرة الأطفال على امتلاك لغة معينة من خلال مشاهدة التلفاز بتلك اللغة..الخ.
يتواجد غالبية الباحثين اليوم في منتصف التوجهين، ويتحدثون عن وجود تفاعل بينهما. اعتبارا لحديثهم فانه هناك علاقة قوية بين الترتيب الزمني لكل فترة وما يحدث في هذه الفترة. يمكن تمثيل ذلك بواسطة الفئران: كل شارب (شعرة واحدة) لدى الفأر مرتبط بمنطقة معينة في المخ، فقد وجد أنه حتى جيل ستة أيام اذا ما تم نتف شارب معين فان المنطقة المرتبطة به في المخ سيتم تشويهها، ولكن فيما اذا ما تم نتفه في فترة متأخرة أكثر فان المخ والمنطقة المرتبطة تكون قد نضجت ولذا فانها لن تتأثر تباعا. هذا مثال بارز على تأثير مشترك للمجتمع المحيط والعامل الوراثي، فمن جهة فان ما قد تأثر بصورة مباشرة هو نتف الشارب، ومن جهة فان تشويه المخ هو الذي يخلق خلل وظيفي. بصورة مشابهة يمكن الحديث عن “المشوهات الجينية” (teratogene) في فترة الحمل لدى المرأة، والتي تؤثر على النموّ الجسماني لدى الجنين. نستنتج من ذلك كله أن عامل المجتمع المحيط يؤثر على المباني البيولوجية وعلى شكل نموها. في نهاية المطاف وعند الحديث حول هذا الموضوع فاننا ندخل في نقاش ” الدجاجة أم البيضة أولا”، ولذلك من المستحيل الفصل بين المجتمع المحيط والعامل الوراثي، وما يحدث في الحقيقة هو أمر ما يؤدي الى أمر ما.. يوجد هنا دائرة متكررة التي فيها يؤثر بها الوالدين على الطفل لكن في المقابل يؤثر الطفل على والديه، بالاضافة الى أن الثقافة أيضا تؤثر على تفسيرنا للأمور وفهمها، وتمكننا من لمس الأشياء وفهمها بطريقة مختلفة عن أبناء الثقافات الأخرى.

هناك عدة نماذج متشابهة تتحدث عن العلاقة بين المجتمع المحيط والعامل الوراثي:

1- نموذج التفاعل( Scarr & McCartney)، اعتمادا على هذا النموذج فانه هناك أربع أنواع من العلاقات بين المجتمع المحيط والعامل الوراثي، واللذان في الحقيقة هناك صعوبة في الفصل التام بينهما:

1. التفاعل الخامل: الوالدان ينقلان جيناتهما ولكنهما أيضا يوفران المجتمع المحيط للطفل. مثلا: والدين لديهما كمية ذكاء (IQ) عال، فهم ينقلون جينات الذكاء المرتفع للمولود وأيضا يشجعانه على التعلم ويمكنانه من تحصيل بيئة متعلمة.

2. تفاعل موقظ: أحيانا بسبب صفات معينة لدى الطفل فانه يتم ايقاظ صفات مقابلة لدى الوالدين. مثلا: اذا كان الوالدان عصبيين وأيضا الطفل عصبي، فانه من المحتمل جدا أن الطفل هو من يسبب تلك العصبية لوالديه وليس العكس.

3. تفاعل متحرك: عندما يكبر الطفل فانه يبدأ بنفسه في اختيار المجتمع المحيط بما يعرف باختيار نيشة (niche picking). من المحتمل جدا أن الطفل يحيط نفسه بمجتمع معين بسبب ميل جيني مولود لديه، ولكن أيضا فانه من المحتمل أن يكون هذا بتأثير المجتمع نفسه. أحيانا مهارات معينة لدى الطفل لا يمكن استخراجها ببساطة لأنه لم يحط بمجتمع وبيئة ملائمة.

4. تفاعل معيد (رد فعلي): كل واحد منا يرد بطريقة مختلفة لتحفيزات المجتمع المحيط، الأمر الذي قد يكون بتأثير من العامل الوراثي والجينات (مثل الرضع الذين لا يحبون العناق). في نهاية المطاف فان الحديث جار عن تجربة وتفاعل داخلي لدى الانسان والتي تقرر كيف يتقدم النموّ.

2- نموذج Bronfenbrenner: بحسب هذا النموذج فانه من المستحيل النظر الى الطفل على أنه وحدة منفصلة، لأنه يقع طوال الوقت تحت تأثير المجتمع المحيط والآخرين ويؤثر عليهم. أحيانا قد يؤثر هذا المجتمع على احتمالية وقوع هذا الانسان في مشاكل نفسية. وجد أيضا أن الجنود الذي يؤمنون بمصداقية كفاحهم سيعانون أقل بكثير من الصدمات النفسية التي يواجهونها في المعارك.

3- مبدأ “العامل ثنائي الاتجاه” (bidirectional effect): وفق هذا المبدأ فهناك تفاعل متبادل بين الطفل والمجتمع المحيط، بمعنى أنه من الممكن أن هذا الطفل يؤثر على والديه ويجرهم الى التصرف بصورة معينة وليس العكس.

4- النموذج التبادلي(transactional model): اعتمادا على هذا النموذج فانه ليس فقط الطفل والوالدين يؤثر الواحد منهما على الآخر، انما كل الدوائر المجتمعية تؤثر احداها على الأخرى. لذلك فاننا اذا أردنا الاعتناء بالطفل فانه يتوجب علينا الاعتناء بكافة الدوائر المجتمعية المحيطة به وليس به وحسب.

مترجم بتصرف عن محاضرات في علم النفس


شارك المقالة