إِربط إِصبعك ألف ينعت لك دوا

البروفيسور " نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

حكمة عميقة، امتزجت بها طيات كلمات المثل الشعبى “اربط اصبعك ألف ينعت لك دوا”، فاحت رائحتها لتعبر عن أن كثرة الكلام أو الحديث دون نتائج فعلية لا تُجدي نفعًا، وأن العمل الحقيقي هو المقياس الوحيد لتحقيق الأهداف. وهو مفهوم يتجلى بوضوح في سياق البحث العلمي، خاصة في ظل التحديات التي يفرضها تزايد وسائل التواصل الاجتماعي وتعدد المتحدثين في المجال العلمي.

في عالم البحث العلمي، يُعَدّ الكلام والتحدث عن الإنجازات والأفكار من الأمور الشائعة، لكن الكثير من الباحثين أو المتحدثين يكتفون بالحديث عن مشاريعهم وأبحاثهم دون أن يترجموا ذلك إلى واقع ملموس. فكثيرًا ما نشهد في المؤتمرات والندوات العلمية، وجود حشد من المتحدثين الذين يتبادلون الحديث عن إنجازاتهم وأبحاثهم، لكن القليل منهم من يحقق فعليًا نتائج عملية أو تطبيقات علمية حقيقية. وهنا يُصبح الحديث مجرد كلام يُنقل من شخص لآخر، دون أن يترجم إلى عمل ملموس يُفيد الناس، الأمر الذى تتعاظم معه الوحشية المهلكة للوقت والجهد والمال.  

وفي ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل لأي شخص أن يُطلق العنان لحديثه ويشارك أفكاره وأبحاثه، سواء كانت علمية أو تطبيقية، بشكل فوري وبدون رقابة أو تقييم علمي دقيق. وقد أدى ذلك إلى ظاهرة تكررت، وهي كثرة الكلام حول الإنجازات العلمية والبحوث، لكن من دون أن يرافقها تنفيذ فعلي، أو نتائج ملموسة على أرض الواقع. يُصبح الحديث دون عمل بمثابة “ربط  الاصبع” دون أن يتمكن الإنسان من الحصول على الدواء المفيد. فمبجرد أن ربطنا الأصبع، وجدنا تداعى الكثيرين من كل حدب وصوب، يصفون لنا الدواء.

ومع التغيرات الاقتصادية المختلفة، وزيادة النزاعات والصراعات الجيوسياسية، زادت الحاجة الى ضرورة خفض الفاتورة الاستيرادية، مع ضرورة توفير واستحداث والاعتمادا على البدائل المحلية. وهنا بدأت مرحلة ” ربط الاصبع” التى تحتاج الى  ضرورة التركيز على العمل الحقيقي بدلًا من الاكتفاء بالكلام والادعاءات والثرثرة، لأن النتائج تُقاس بالأفعال لا بالأقوال. ولكن وبكل أسف وجدنا ” الألاف تنعت لنا الدوا”، فالكل أصبح طبيبا، وشرع فى التشخيص ووصف واعطاء الدواء. وفجأة، الكل أصبح مبتكرا، والكل استفحل وعظم وضخم من تجاربه التى لم تتخطى حقل مختبره البدائى فى امكانياته وتجهيزاته، والكل أيضا عاش خيال الابتكار، وأصر على غرسه فى محيط أرض غير مقتنعة به أصلا.  وان افترضنا جدلا، أن كل ما يتم الزج به من الادعاءات الابتكارية حقيقى، فأين كان كل هؤلاء منذ زمن بعيد؟. أين كان شيوخ الابتكار؟ حتى يفرض علينا شبابهم ما سموه بابتكارات؟. وفى الوقت الذى أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي، أداة ذات إمكانيات هائلة لنشر المعرفة والتواصل، أصبحت أيضًا ساحة لانتشار الكلام غير المدعوم بالأدلة، والادعاءات التي تُشوه صورة البحث العلمي، وتُضعف من قيمة العمل الحقيقي. لذلك، فإن الاعتماد على وسائل التواصل يجب أن يكون ضمن إطار من التقييم العلمي والشفافية، مع التركيز على النتائج العملية التي يمكن قياسها، بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات والصور والحديث الثرثرى.

وعلى الرغم من كل هذا، نجد وبكل أسف الكثير من الجهات والمؤسسات تتبنى الكثير من التصريحات المسماه بالابتكارات دون تفحص وتمحيص وتتحقق من النتائج العلمية التطبيقية الفعالة من خلال الأليات النظامية الدقيقة. هذه الأليات التى قامت على ” تحديد الأهداف بوضوح”، فقبل الحديث عن البحث، يجب وضع أهداف محددة قابلة للقياس، تركز على حلول عملية لمشكلات المجتمع أو الصناعة. و قامت على ” تصميم خطة عمل عملية “، تشمل الخطوات التنفيذية، والموارد اللازمة، والجداول الزمنية، مع الالتزام بتنفيذها بشكل جدي، وليس فقط الحديث عنها. كما  قامت على ” تطبيق البحث على أرض الواقع”، من خلال التجارب الميدانية، والنماذج التطبيقية، والتعاون مع الجهات المعنية، لضمان أن يكون البحث ذا مردود عملي وملموس. وقامت أيضا على ” التقييم والمتابعة المستمرة” ، من خلال التحقق من مدى فاعلية الحلول المطبقة، وتحديثها باستمرار، بدلاً من الاكتفاء بالحديث عنها أو الترويج لها عبر وسائل التواصل. وارتكزت على ” نقل النتائج بشكل علمي وواقعي” ، عبر نشر الأبحاث والتقارير التي توضح النتائج الملموسة، وتجنب الإفراط في الحديث غير المبرر الذي لا يُرتجى منه فائدة حقيقية.

ختامًا، نحن لا نريد ألف أو آلاف تنعت لنا الدواء للاصبع المربوط، بل نريد أصحاب العمل الحقيقى الذى يثمر نتائج ملموسة، لأن  كثرة الكلام دون فعل يعكس فقط ضعف التخطيط وكثرة غثاء المطر. كما نريد أيضا أن نُعلي من قيمة العمل الميداني والتطبيق، مع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة لنشر النتائج وليس فقط للحديث عن الأحلام والطموحات.

شارك المقالة
** أستاذ المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى / مصر ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** تعد كل مقالاتى وأبحاثى وكل ما حصلت عليه من براءات اختراع ، صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والأدبى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51