إنفجار العدم الذاتى

البروفيسور " نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

ما ترفض مواجهته لا يتحكم بك لأن له سلطة فى ذاته، ولا يختفي أو يختبئ بعيدًا، بل يظل قائمًا، يترصدك في الظل، ينتظر اللحظة التي تتردد فيها أو تتجاهله ليعود ويعيد تشكيل مصيرك من الخلف. إنما المشكلة لا تكمن في وجود هذا الجانب منك، وإنما في أنك حين تتجنب المواجهة، تمنحه تفويضًا غير مباشر ليحتفظ بسلطته عليك. فكل نظرة توجهها نحو الجهة المعاكسة، وكل محاولة للتجاهل أو الإنكار، كأنك تعطيه إذنًا غير معلن ليعيد ترتيب مسارك، ويسيطر على قراراتك من وراء الستار، ويفجر العدم داخلك. هذه هي المفارقة التي يصفها الفيلسوف نيتشه عندما تحدث عن “الظل” أو “الجانب المظلم” من النفس، والذي يظل يهددنا إذا لم نواجهه بوعي وجرأة.

في علم الكيمياء، نذكر مفهوم “الطاقة الكامنة” أو “الطاقة المختزنة”، مثل المادة التي تحتوي على طاقة غير مرئية في بنيتها، كالغازات أو السوائل التي تتطلب تفاعلًا أو ضغطًا معينًا لتفعيلها. فمثلاً، حين نترك مادة قابلة للاشتعال في مكان معين، فإنها تحمل طاقة كامنة، ولكنها لا تظهر إلا عندما تتعرض لشرارة أو حرارة. عدم مواجهة هذه الطاقة أو تجاهلها يؤدي إلى أن تظل محتجزة، ولكنها تظل موجودة وتملك القدرة على إحداث تفاعل مفاجئ إذا توافرت الظروف المناسبة. بالمثل، ما نرفض مواجهته من مخاوف أو تحديات داخلنا يبقى مخزونًا في أعماقنا، ويحتفظ بقوته، ويعيد تشكيل مصيرنا عندما تتوفر الظروف أو اللحظة المناسبة.

وفي هذا السياق، يمكننا أن نستعين بمفهوم “السلطة الداخلية” الذي أشار إليه ألكسيس كولير، حيث يوضح أن القوة الحقيقية لا تكمن في تجنب الصراعات، وإنما في مواجهتها، لأنها تظل كامنة وتختبئ في ثنايا اختياراتنا اليومية. فمثلاً، نبرتنا حين نغضب، أو انكسارنا حين نحب، أو وحدتنا حين نكون بين الناس، جميعها تمثل مظاهر لجزء من أنفسنا لم نواجهه بعد، وهو الذي يحدد مصيرنا بصورة غير مباشرة.

في علم الفيزياء، يمكن ربط الفكرة بمفهوم “الطاقة الحركية المحتملة” أو “الطاقة المختزنة”، التي تتغير وتتفاعل بشكل غير مباشر إذا لم نتحكم فيها. على سبيل المثال، في حالة وجود جسم على قمة تلة، فإنه يمتلك طاقة وضعية (طاقة محتجزة) لا تظهر إلا عندما يتحرك، بحيث تتغير إلى طاقة حركية. إذا لم نتحكم في توازن القوة، أو لم نواجه القوة التي تدفع الجسم للتحرك، فسيظل محتجزًا، لكنه يمتلك القدرة على إحداث حركة مفاجئة، وربما أضرار إذا لم نتصرف بحكمة. كذلك، مخاوفنا أو مشاعرنا المكبوتة التي نرفض مواجهتها تظل محتجزة، ولكنها تمتلك القدرة على أن تظهر بشكل غير متوقع وتؤثر على سلوكنا، تمامًا كما يتحول الطاقة المحتجزة إلى حركة مفاجئة.

في علم الأحياء، يمكن النظر إلى الخلايا والجينات كمثال على القوة الكامنة. فمثلاً، الحمض النووي (DNA) يحمل المعلومات الجينية التي تتحكم في نمو الكائن الحي، ولكنه يظل غير فعال أو “مخزن” حتى يتم تفعيله بواسطة إشارات معينة، مثل هرمونات أو بيئة معينة. إذا لم نواجه أو نتحكم في هذه الإشارات، فإنها تظل كامنة، ولكنها تمتلك القدرة على إحداث تغييرات جذرية في الجسم، سواء في النمو أو في الاستجابة للبيئة. بالمثل، مخاوفنا أو مشاعرنا التي نرفض مواجهتها تُخزن في أعماقنا، وتظل كامنة، ولكنها قد تنفجر في لحظة ما، وتعيد تشكيل شخصيتنا ومصيرنا، تمامًا كما تتغير وظيفة الجينات عند تنشيطها.

وفي الفلسفة النفسية، يُقال إن القوة التي لم نواجهها لا تختفى، تظل كقوة غير مرئية، لكنها تؤثر على سلوكنا وقراراتنا بشكل عميق. فغياب المواجهة يُشبه إخفاء النار تحت الرماد، لكنها تظل مشتعلة، تنتظر فرصة لتعيد إشعال ذاتها، سواء في ثورة غضب، أو في دوامة واكتئاب الوحدة، أو لحظة حب. مفاد هذا أن الشئ الذى تهرب منه يبتلعك دون أى رحمة أو هوادة، وما ترفض مواجهته يصبح طريقك فيما بعد. لهذا، فإن الاعتراف بوجود هذا الجانب الذى يختبىء فى ثنايا احتياراتك، والعمل على مواجهته، هو السبيل الوحيد لتحرير أنفسنا من سيطرته، ولخلق مصيرنا بأيدينا بشكل واعٍ ومسؤول.

شارك المقالة
** أستاذ المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى / مصر ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** تعد كل مقالاتى وأبحاثى وكل ما حصلت عليه من براءات اختراع ، صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والأدبى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51