صرخت الطبيعة عندما فاض بها الكيل وبلغ السيل الزبى، وضاقت كل بيئة بما حملت وخلج القلب بأنينها وتألمت الآذان من هذا الأنين ودمعت العين دما من شدة الألم الذى يعتصر كامل كيانها، وكأننا أمام زلزلة كل من البيئة والطبيعة.
فالطبيعة وان شملت فى معناها العام “العالم الطبيعي أو العالم الفيزيائي أو العالم المادي”، فهى “الحياة” بعمومها مع استثناء “الإنسان” منها على الرغم من انتمائه للحياة الطبيعية . أما البيئة ونظامها فلن تخرج عن أن تكون عبارة عن أى مساحة من الطبيعة وما تحتويه من كائنات حية ومواد حية في تفاعلها مع بعضها البعض ومع الظروف البيئية ( التربة، الرياح ، الرطوبة، التلوث…الخ) وما تولده من تبادل بين الأجزاء الحية وغير الحية ومن أمثلة النظم البيئية الغابة والنهر والبحيرة والبحر. فالبيئة تدور فى فلك نظامها مع تبعيتها للطبيعة المحيطة، ولا ينال من هذا احتلال الكائن الفكرى (الإنسان) – كأحد كائنات النظام البيئي – مكانة خاصة ونظراً لتطوره الفكري والنفسي. فهذا الكائن الفكرى يكاد يكون هو المسيطر- إلى حد كبير وملموس – على النظام البيئي. لأن المحافظة على النظام البيئى ومن ثم المحافظة على الطبيعة بمعناها الشمولى تتوقف فى الأصل على حسن تصرف هذا الانسان وعدم اخلاله للتوزان البيئى الطبيعى سواء باستنزافه أو عبثه وسوء تصرفه مع الكائنات والمكونات الطبيعية.
ولكن هيهات هيهات أن يرتدع هذا الانسان ويأخذ العبرة والعظة من “أية” خروجه من جنة الخلد بعد عدم انصياعه للأوامر والنواهى الالهية واتباعه لهوى نفسه بغير وعى وادراك!!!. ولكن ما هى الحكمة من تكرار الانسان لنفس الأخطاء الكائنة فى اصراره المنقطع النظير على الاضرار بنفسه وبكل ما يحيط به من كائنات حية وغير حية؟، علها ثقافة الجهل القائمة على العناد والاستكبار، أم أنها هوى النفس المسيطر والمتحكم فى عقول خاوية وان علت بثقافة خاوية من أى حكمة أو وعى أو ادراك ، أم أنها الفطرة والتراكيب الداخلية. فالوعى والادراك والحكمة ناموس نواميس أى اتزان بيئى وفكرى كادت تختفى آثاره فى ظل همجية هذا الكائن المسمى بالانسان الذى نسى وتناسى كل شئ لدرجة أنه قد نسى نفسه بتقوقعه فى حب ذاته وتغافله عن الحكمة التى خلق من أجلها والتى تكمن فى عبادته لخالقة، هذا الأمر الذى لن يكون ولن يستوى مع ما يفعله من تدميره لكامل الأنظمة البيئة وكافة صروح الطبيعة.
فها هى التغيرات المناخية التى توغلت فى قلب أحداث الحياة بل وطغت على كامل صور وأنماط الحياة وأثرت وبسلبية موحشة على كل الأنظمة البيئة، بل وأدت وبكل أسف الى تغيرات شديدة الخطورة فى الطبيعة التى قد وهبتنا نعمة الاستمتاع بنعيم بستاين أرضها وبجمال صحاريها وبنقاء هوائها وبحياة مياها بل وبوحشية وتصارع حيواناتها وبرقرقة رؤية نباتاتها المتنوعة.
ساد أنين البيئة فى كل بقعة من بقاع الطبيعة، وفاص كيل ألمها وبلغ المرض منها مبلغه حتى جاءت التغيرات المناخية ذات الملامح الجارجة والتأثرات القاتلة. عندئذ انكب على وجهه هذا الانسان العبقرى وتعثرت خطاه وذهب يصرخ هنا وهناك مرتديا ثوب الفضيلة، وحاول أن يتحلى بفكر وخلق الطبيب المعالج عله يجد لجريمة هتكه لعرض الطبيعة مخرجا آمنا يهرب به من وطيس حرب قد تفوق كل قدراته. تحلى مفكر المكان والزمان بالثوب الأبيض الناصع البياض وعقد المؤتمرات تلو المؤتمرات و ورش العمل المتخصصة لايجاد الحلول لكارثة التغيرات المناخية واصدر الكثير والكثير من التوصيات التى لا يستطيع تنفيذها على أرض الواقع، لأنه فى الأصل نسى وتناسى أنه الأصل والسبب فى هذه التغيرات بل وما زال يتبع نفس النهج الهمجى فى كافة تعاملاته مع الطبيعة الحزينة والبيئة المغلوب على أمرها. ولكن هل توقفت جريمة تلوث الهواء؟ وهل توقفت المصانع عن النفخ بانبعاثاتها الملوثة للهواء والقئ بالقاء مخلفاتها فى المياة أو فى أمكان متفرقة فوق وتحت سطح الأرض؟. بل وهل توقف الشخص العادى عن رمى القمامة فى البيئة المحيطة به من شوارع ومياة صرف أو حتى مياة نهر؟ بل هل توقف هذا الشخص عن حرق هذه القمامة والتخلص منها بعيد عن عيون الأخرين؟ وهل انتهى الأخرون عن دفن نفايتهم المشعة وغير المشعة فى أرض وبطون فقراء العالم؟. والأدهى والأمر من كل هذا هل توقف الانسان عن كل ما أحدثه من تلوثات فكرية أفسدت علينا كل صور الحياة الطبيعية الكائنة فى البر والبحر والجو؟.
ولكن لكى تكف البيئة عن أنينها وتسترجع صحتها وتصمت الطبيعة عن صراخها وتعود سالمة سليمة فى أبهى صورها، لابد من الكف عن كل ألوان التلوث الفكرى الذى ان انعدم شعاعة واختفى كامل أثره كان له مردود ايجابى على كافة التغيرات المناخية. ولا يتوقف التلوث الفكرى على سلوكيات المكون البشرى سواء كان متعلما وغير متعلم، فالكل قد أدلى بدلوه فى هذ المستنقع المسمى بالتلوث الفكرى الذى انبثق عنه تلوث كل من البيئة والطبيعة ونجم عنهما كافة التغيرات المناخية السيئة. ومن أجل كل هذا وذاك لابد من أن نبدأ بالحد مما نحن فيه من تغيرات مناخية مؤلمة، ولن يكون هذا الا بالحد من التلوث الفكرى لحين القضاء أو شبه القضاء عليه مع العمل بالتوازى على معالجة الجروح الغائرة لكافة صور ودروب التلوث البيئى.
فمقاومة التلوث الفكرى ومعالجة ما انبثق عنه من تلوث بيئى وتدمير شبه كامل للكثير من عناصر الطبيعة لن يحتاج أكثر من جراحين ماهرين يلتقطون بحرفيتهم وآلاتهم الدقيقة بؤرة التلوث المتعددة الصور والأشكال، ولا ينال من هذا أن يكون هؤلاء الجراحين من كافة التخصصات العلمية والأدبية.



