والأذن تعشق قبل العين أحيانا

27 يناير , 2012

عن الكاتب

شاركها

الرابط المختصر لهذا المقال

http://nok6a.net/?p=8048

إن شـاعراً رائـعاً كـ بشار ابن برد لا يمثل في نظـر النقـاد قضة زمنية معينة ، أي أنه ليس مجرد شاعرٍ جاء فأبدع ثم رحل ..! وإنما يشكل بشـار تجاوزاً على مستوى الإبداع لكل معاصريه من الشعراء التقليديين ، ممن نهجوا منهج القصيـدة القديمة واحتذوهـا ، فبشـار ابن برد يعتبـر رأس التجديد في العصـر العبّـاسي .

فقد فتح بشار آفاق الإبداع والروعة والتجديد في الشعر أمام غيره من الشعراء ، كأبي تمام والبحتري

وإن تكلمنا عن بشار فلا يمكننا تجاوز شيء مهم فيه ، ربما كان محفزاً لأبداعه ، ألا وهو عماه ، فقد ولد بشار ولم يبصر من الحياة حوله شيئا ، كما قال الأصمعي : ( ولد بشار ولم ير الدنيا قط ، ولكنه كان يشبّه الأشياء بعضها ببعض على نحو لا يقدر عليه البصراء ) .

ويبدو أن تلك العاهة تركت في نفس بشار أثراً سيئاً ، أورثه سوء الظن بالناس ، فكان يحذرهم ويخافهم ، ولذلك كثرت أهاجيه ، وكان يقول : ( من أراد أن يُكرم في زمن اللئام ، فـ ليستعد للفقـر ، وإلا فـ ليهجُ ليخاف فـيعطى ..! ) .

فكان لعاهة العمى أثرها السيء عليه ، وشعور بالنقص يزداد حدة في داخله ، وأنه إنسان غير مكتمل جسمانيا ، لذلك حاول مراراً تلافي هذا الشعور عن طريق الفخر بسماته العقلية الأخرى كـ حدة الذكاء ، والبصيـرة الواعيـة ، والحس المرهـف ، وكان يقول :

عميتُ جنيـناً والذكـاءُ من العمــى *** فـجئتُ عجيــب الظـن للعــلمِ مـوئـلا

ويقول واصفاً نفسه :

أعمـى يـقود بصيـراً لا أبا لكمُ *** قـد ضــلّ مـن كـانت العميــان تهديــه

وكان بشار يجهد نفسه في وصف الأشـياء ، حيث أبدع في وصف أشياء لم يرها قط ، ولم يعرف لها شكلا ، كـ وصف حركة الأشجار ، وجريان السفن ، ويبدو أن هذا الأمر كان خشية من نقد النقاد ، أن يؤاخذوه على قصـوره في علاج المرئيـات ، فـ عالج هذا النقص من خلال تتبـعه لأشعار بقية الشعراء الذين وصفوا المرئيات ، ويقول واصفاً السفينة :

وعذراء تـجري بـلا لحـم و دم *** قـليـلة شـكوى الأيـن ملجـمة الدبــرِ
تـداعـبُ تـيّــار البحـور وربمـا *** رأيت نفـوس القــوم من جريــها تــجري

وللعمى أثر على نفسية الشاعر ومشاعره وأحاسيسه ، حيث زادت من رهافة مشاعره بشكل كبير ،حيث يروى أن بشار ابن برد قد بكي حين سمع قول الشمقمق : ( إن بشار ابن برد تيس أعمى في السفينة )
وفقدانه للبصر أرهف حواسه الأخرى ولاسيما السمع ولذلك نراه في أشعاره يضع الأذن موضع العين ، إذ يقول :

يـا قـوم أذنـي لبعـض الحـيّ عــاشــقةٌ *** والأذن تعشــقُ قبـل العيــن أحيـانا
قـالوا بمـا لا تـرى تهـذي فقلـت لـهم : **** الأذن كـالعيــن تـوفي القــلب مـا كـانا

وبذلك كان بشار شاعراً عميق الأحساس ، مرهف المشاعر والحواس ، يبدع في شعره إبداعاً تجاوز مقدرة غيره ، وكان اسمه بداية لعصـر جديد من الإبداع الشعريّ .

ولم يثـنه عماه عن مواصلة المسير نحو ما أراد ، بل كان دافعاً ليثبت للمبصرين قدرته ، ويرد عليهم بأن العمى ليس مقعداً عن الإنتاج والإبداع

عن الكاتب

شاركها

التعليقات تعليق واحد

Fannie
منذ 7 شهور

This is great, it will really help me out! Is it possible for the user to search for key words in multiple text files and have the app display all the results? And then the user can click on a result and it will pull up where it found it in the file? I’ve been looking for weeks on how to do this and I ha2v8&#ne17;t been able to figure it out. Any help would be appreciated. Thanks!

أضف تعليقك