ما هو الداء السوري الآكل للحم؟ وهل يمكن أن يتفشى بأوروبا؟

3 يناير , 2016

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

http://nok6a.net/?p=18871

وكأن سنوات الحرب والإرهاب والقمع لم تكن مروعة بما يكفي لشعب سوريا، فها هو البلد يعاني من وباء سمي بالمرض الآكل للحم، حيث تم الإبلاغ عن حالات تفشي لمرض يعرف باسم داء الليشمانيات على مدى العام الماضي.

في الآونة الأخيرة، ذكر رئيس الهلال الأحمر بأن المشكلة أصبحت أسوأ نتيجة تصرفات تنظيم الدولة الإسلامية وتركه للجثث لتتعفن في الشوارع، ولكن على الرغم من أن داء الليشمانيات يعتبر مشكلة خطيرة في سوريا، إلّا أن صورة المرض الآكل للحم التي تم نشرها من قبل التنظيم الإرهابي ليست دقيقة تماماً.

ما هو داء الليشمانيا؟

داء الليشمانيات متوطن في سوريا منذ عدة قرون، وكان يعرف يوماً باسم “قرحة حلب”، ولكن هذا الشكل من الإلتهاب الجلدي من المرض ليس بالضبط “آكلاً للحم”، وذلك على الرغم من أن شكلاً آخراً منه تم اكتشافه في البرازيل وبعض الأجزاء الأخرى من أمريكا الجنوبية يمكن أن يكون كذلك، والجدير بالذكر أن سبب هذا المرض هو طفيلي الليشمانيا الذي ينتقل عن طريق ذبابة الرمل، فإذا تعرضت للعض من قبل الذبابة، يمكن للطفيليات أن تدخل إلى مجرى الدم وتهاجم الخلايا المناعية البلعمية التي تكون عادة مسؤولة عن قتل الغزاة، وهذا ما يتسبب بحدوث تقرحات مفتوحة رهيبة على مقربة من اللدغة.

في أماكن أخرى، ولا سيما في الهند، هناك شكل مختلف من هذا الطفيلي يمكن أن ينتشر في الجسم ليصل إلى الكبد والطحال ويسبب الوفاة نتيجة تداعي تلك الأجهزة الحيوية الداخلية، أما الطفيلي الذي يوجد في البرازيل، فهو يجعل الخلايا البلعمية تنتقل إلى السطوح المخاطية التي توجد حول الفم والأنف، وعلى الرغم من أن الجهاز المناعي في هذه الحالة يهاجم الطفيليات ولكنه ينتهي ليسبب أضرار كبيرة في الأنسجة المحيطة، وينخر اللحم في هذه المناطق، مما يؤدي إلى حدوث تشوهات جسيمة.

لا تقوم ذبابة الرمل في الواقع بأكل الجثث المتعفنة في الشوارع، بل تقوم بمص الدم من الأشخاص الذين ما يزالون على قيد الحياة، وبالتالي فإن التقارير التي يحاول تنظيم الدولة الإسلامية نشرها حول المرض ليست صحيحة تماماً، ولكن مع ذلك، فإن الأحداث السياسية في سوريا- بما في ذلك نشوء وعمل تنظيم داعش ضمنها- تسبب بانهيار النظم الصحية في البلاد، إلى جانب جميع الأجزاء الأخرى من الهيكل الاجتماعي لها، لذلك فلا شك بأن المرض قد ينتشر على نطاق أوسع مما هو عليه حالياً.

هل يمكن علاجه؟

أصبح هناك اليوم حوالي 1.3مليون شخص يصاب بداء الليشمانيات في كل عام في جميع أنحاء المناطق المدارية وشبه المدارية، ومعظم المصابين يكونون من الأشخاص الذين يصابون بالشكل الجلدي من الوباء الذي يوجد في سوريا، في حين أن الشكل الداخلي يمكن أن يكون قاتلاً، ولكن على اعتبار أن هذا الداء عادة ما ينتشر بين المجتمعات الفقيرة في العالم، فليس هناك ما يكفي من الاهتمام الذي ينصب عليه، وذلك من حيث تطوير الأدوية أو اللقاحات الجديدة، ويمكن اعتباره مرضاً مهملاً من أمراض المناطق المدارية.

ومع ذلك، فإن العلاجات موجودة بالفعل، وهناك نظام صحي من العقاقير التي يمكن أن تستخدم لعلاج هذا المرض، وعلى الرغم من أن العلماء ما يزالوا يبحثون عن علاج أفضل لهذا المرض الجلدي، ولكن في الوقت الحاضر لدينا أربعة عقاقير مختلفة يمكن استخدامها للتخلص منه، وأفضل دواء لعلاج داء الليشمانيات الحشوي (الداخلي) هو (الأمفوتريسين B)، وحقن الأمفوتريسين هي أفضل أشكال علاج هذا المرض، فعدد قليل فقط من الحقن يمكن أن يكون كافياً لعلاج هذا المرض، ولكنها تمتلك بعض الآثار الجانبية مثل الحمى والصداع والتقيؤ، أما العلاجات القديمة القائمة على الأنتيمون، فقد كان يتوجب إعطاؤها لعدة أسابيع قبل أن تظهر تأثيراتها الفعالة.

هل يمكن أن ينتشر المرض على نطاق أوسع؟

بالإضافة إلى تزايد حالات المرض في سوريا نفسها، فإن بعض اللاجئين الفارين من البلاد يحملون بالفعل هذه الطفيليات معهم، وهذا يمكن أن يكون ذريعة لأولئك الأشخاص الذين يعارضون تدفق اللاجئين إلى بلادهم، من خلال ادعائهم بأنهم سيتسببون بنشر الأمراض، لكن لا داعي لأن تقلق الدول المضيفة للاجئين من استضافتهم.

إن ذبابة الرمل، وليس الأشخاص، هي من ينقل هذا المرض، وعلى الرغم من أن الذبابة توجد في جميع أنحاء المناطق المدارية وشبه المدارية، فإنها لا تستطيع البقاء على قيد الحياة في المناخات الباردة، أما الشكل الحشوي من داء الليشمانيات فهو متوطن في أجزاء من جنوب أوروبا بما في ذلك اسبانيا وايطاليا وجنوب فرنسا، ولكن هذا المرض يميل ليظهر فقط لدى الأشخاص الذين يمتلكون جهاز مناعة ضعيف مثل المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، هذا يسلط الضوء على حقيقة أن الأشخاص في المناطق المزدهرة، التي تتمتع بأنظمة عذائية جيدة وخدمات صحة عامة مقبولة، معرضون أيضاً لخطر محدود.

من المهم أيضاً أن نفهم بأن الأنواع المختلفة من ذبابة الرمل هي المسؤولة عن انتقال طفيليات الليشمانيا المختلفة، فتلك التي تنقل المرض الجلدي والتي توجد في سوريا تعتبر قليلة الانتشار في جنوب أوروبا وبالتالي فإن فرص زيادة انتقال داء الليشمانيات الجلدي في أوروبا ودول أمريكا ضئيلة جداً، وذلك على الرغم من أن تركيا قد تكون عرضة لخطر زيادة حالات المرض الجلدي بسبب تدفق اللاجئين إليها من سوريا، ومرة أخرى، فإن الجدير بالذكر أن الأشخاص الذين يحصلون على التغذية الجيدة والذين يتمتعون بصحة جيدة يكونون أقل عرضة للخطر.

لم تعد المخاوف من الجراثيم المستوردة، بطبيعة الحال، بالشيء الجديد، ففي العام الماضي، كانت جدران المطارات الأوروبية مزينة بملصقات تحذر من فيروس الإيبولا، وأصبح جميع الأشخاص القادمين من غرب أفريقيا معرضون لإجراء اختبارات إلزامية لعلامات الحمى، وبالإضافة إلى ذلك فلا يجب علينا أن ننسى أن العلاجات أصبحت متوفرة على نطاق أوسع الآن، وهذا يخلق فرصة لتوفير الرعاية الصحية للاجئين المرضى القادمين إلى البلاد إن كانوا مصابين بأي نوع من الأمراض.

وبالنظر إلى أن داء الليشمانيات لا يمكن أن ينتشر في البلدان الباردة، فضلاً عن إمكانية الحد من خطره من خلال الرعاية الصحية الجيدة، فإن الإدعاءات التي تقول بأن اللاجئين يمكن أن يتسببوا بحدوث تفشي للأوبئة لا يمكن أن تشكل أي تهديد لأحد.

 

أضف تعليقك