ماذا تعرف عن سرعة الضوء؟

7 سبتمبر , 2016

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

http://nok6a.net/?p=22521

منذ العصور القديمة، سعى الفلاسفة والعلماء لفهم الضوء، وبالإضافة لمحاولتهم فهم خصائصه الأساسية (مم يتألف – الجسيمات أو الموجات- الخ)، سعوا أيضاً لإجراء قياسات محددة لمدى السرعة التي يسافر بها، وقد بدأ العلماء في مسعاهم هذا منذ أواخر القرن الـ17، وكانت قياساتهم تزداد دقة مع مرور الوقت.

بذلك، اكتسب العلماء فهماً أفضل لآليات الضوء والدور الهام الذي يلعبه في الفيزياء وعلم الفلك وعلم الكونيات، وافترضوا ببساطة، أن الضوء يتحرك بسرعة لا تصدق وهو أسرع شيء يتحرك في الكون، فهو يمتلك سرعة تعتبر ثابتة وغير قابلة للتجاوز، ولهذا بدؤوا يستخدمونه كوسيلة لقياس المسافة، ولكن ما مدى السرعة التي يسافر فيها الضوء تحديداً؟

سرعة الضوء (c)

يسافر الضوء بسرعة ثابتة تساوي 1,079,252,848.8 (1.07 مليار) كيلومتراً في الساعة، والتي تصل إلى 299,792,458 ميل / ثانية، أو حوالي 670,616,629 ميلاً في الساعة، ولتوضيح الفكرة بشكل أفضل، فإذا كان بإمكانك السفر في سرعة الضوء، فستكون قادراً على الدوران حول العالم لما يصل لحوالي سبع مرات ونصف خلال ثانية واحدة، في الوقت الذي سيستغرق فيه أي شخص يسافر بسرعة متوسطة تبلغ 800 كلم / ساعة (500 ميلاً في الساعة)، أكثر من 50 ساعة للدوران حول الكوكب مرة واحدة فقط.

بتطبيق هذا المفهوم على المنظور الفلكي، فإن متوسط المسافة بين الأرض والقمر تبلغ 384,398.25 كيلومتراً (238,854 ميل)، وهذا يعني أن الضوء يعبر تلك المسافة في حوالي الثانية، ولكن في الوقت نفسه، فإن متوسط المسافة بين الشمس والأرض هي تقريباً 149,597,886 كم (92,955,817 ميل)، وهو ما يعني أن الضوء يستغرق حوالي 8 دقائق لقطع تلك الرحلة.

لا عجب إذن في أن سرعة الضوء هي المقياس المستخدم لتحديد المسافات الفلكية، فعندما نقول بأن نجم مثل بروكسيما سنتوري يبعد عنا 4.25 سنة ضوئية، فإننا نعني أن الأمر سيستغرق 4 سنوات و 3 أشهر للوصول إلى هناك – إذا ما كنا نسافر بسرعة ثابتة تساوي 1.07 مليار كيلومتر في الساعة (670,616,629 ميلا في الساعة) – ولكن كيف استطاع العلماء الوصول إلى هذا القياس المحدد للغاية لـ”سرعة الضوء”؟

تاريخ الأبحاث

حتى القرن الـ17، كان العلماء غير متأكدين ما إذا كان الضوء يسافر بسرعة متناهية أو بشكل آني، وقد استمرت هذه المناقشات منذ أيام الإغريق القدماء إلى الباحثين في العصور الإسلامية الوسطى والعلماء في أوائل العصر الحديث، ولم يتم إنهاء هذا الجدل حتى جاء عمل الفلكي الدنماركي (أوول رومر) (1644-1710) الذي قدم أول قياس كمي لسرعة الضوء.

في عام 1676، لاحظ (رومر) أن دورة قمر المشتري أيو تبدو أقصر عندما تكون الأرض على مقربة من كوكب المشتري مما تبدو عليه عندما تكون الأرض أبعد عن الكوكب، ومن خلال هذا، خلص إلى أن الضوء ينتقل بسرعة متناهية، وقدر بأنه يستغرق نحو 22 دقيقة لعبور قطر مدار الأرض حول الشمس.

استخدم (كريستيان هيغنز) هذه التقديرات ودمجها مع تقدير قطر مدار الأرض للحصول على تقدير يساوي 220,000 كم / ث، كما تحدث (إسحاق نيوتن) أيضاً عن حسابات (رومر) في كتابه “البصريات” (عام 1706)، وبضبط المسافة بين الأرض والشمس، أشار بأن الضوء سيستغرق سبع أو ثماني دقائق للسفر من الأرض إلى الشمس والعكس بالعكس، وفي كلتا الحالتين، أخطأ الباحثون بفارق ضئيل نسبياً.

جاءت القياسات اللاحقة من قبل كل من عالمي الفيزياء الفرنسيين (هيبوليت فيزو) (1819 – 1896) و(يون فوكو) (1819 – 1868)، حيث قاما بتدقيق هذه القياسات بشكل أكبر، واستنتجا بأن القيمة هي 315,000 كم / ث (192,625 ميل / ثانية)، وبحلول النصف الثاني من القرن الـ19، أصبح العلماء على بينة بالعلاقة بين الضوء والكهرومغناطيسية.

جاءت هذه المعرفة من خلال قياس علماء الفيزياء للرسوم الكهرومغناطيسية والكهربائية، ونتيجة لذلك وجدوا بأن القيمة العددية كانت قريبة جداً من سرعة الضوء (التي قاسها فيزيو)، وبعد ذلك، جاءت أعمال الفيزيائي الألماني (ويلهلم إدوارد ويبر)، لتظهر بأن الموجات الكهرومغناطيسية يمكن أن تنتشر في مساحة فارغة، وبأن الضوء هو موجات كهرومغناطيسية.

جاء الاكتشاف العظيم التالي خلال أوائل القرن الـ20، ففي البحث الذي نشره (ألبرت آينشتاين) في عام 1905 بعنوان “حول الديناميكية الكهربائية للأجسام المتحركة”، أكد بأن سرعة الضوء في الفراغ، بالنسبة لمراقب غير متسارع، تكون نفسها في جميع أطر المرجعية القصورية، ومستقلة عن حركة المصدر أو المراقب.

باستخدام هذا إلى جانب مبدأ (غاليليو) في النسبية كأساس، استمد (أينشتاين) نظريته النسبية الخاصة، والتي تكون فيها سرعة الضوء في الفراغ (c) أساس ثابت، والجدير بالذكر أنه قبل ذلك، كان قد عقد إجماع عمل بين العلماء أُشير خلاله بأن الفضاء مملوء بـ”الناقلات الضوئية الأثيرية” التي تعتبر المسؤولة عن انتشار الضوء.

هذا يعني بدوره بأن سرعة قياس الضوء سيكون عبارة عن مجموع بسيط لسرعته خلال وسيلة الانتقال تلك بالإضافة إلى سرعة تلك الوسيلة، ومع ذلك، فقد أتت نظرية آينشتاين لتجعل مفهوم الأثير الثابت غير مجدي وتحدث ثورة في مفاهيم الزمان والمكان.

لم تقم نظرية (آينشتاين) فقط بتطوير فكرة أن سرعة الضوء هي نفسها في جميع الأطر المرجعية القصورية، بل قدمت أيضاً فكرة أن هناك تغييرات كبيرة تحدث للأشياء عندما تتحرك بسرعة قريبة من سرعة الضوء، وتشمل هذه الفكرة أن إطار الزمان والمكان لجسم متحرك يتباطأ وينكمش في اتجاه الحركة عند قياسه في إطار المراقب (أي ما يعرف باتساع الوقت، حيث يتباطأ الوقت مع الاقتراب من سرعة الضوء).

جاءت ملاحظات (آينشتاين) لتوافق بين معادلات (ماكسويل) للكهرباء والمغناطيسية مع القوانين الميكانيكية، وتبسط العمليات الحسابية عن طريق تنحية التفسيرات الغريبة التي كانت تستخدم من قبل العلماء الآخرين، والاعتماد على الملاحظة المباشرة لسرعة الضوء.

خلال النصف الثاني من القرن الـ20، أصبحت قياسات سرعة الضوء أكثر دقة على نحو متزايد من خلال استخدام المقاييس الليزرية وتقنيات تجويف الرنين، وبحلول عام 1972، استطاعت مجموعة من الباحثين في المكتب الوطني الأمريكي للمعايير في بولدر، كولورادو، الوصول إلى القيمة المعترف بها حالياً وهي 299,792,458  م/ث.

دور سرعة الضوء في الفيزياء الفلكية الحديثة

تم تأكيد نظرية (آينشتاين)، بأن سرعة الضوء في الفراغ تكون مستقلة عن حركة المصدر والإطار المرجعي القصوري للمراقب، من خلال العديد من التجارب، كما وتم تحديد سرعة الضوء بأنها الحد الأعلى لسرعة حركة جميع الجسيمات عديمة الكتلة والموجات ضمن الفراغ.

إحدى تبعات هذا الأمر هو أن علماء الكونيات بدؤوا الآن يتعاملون مع المكان والزمان على أنهما هيكل واحد موحد يعرف باسم الزمكان – حيث يمكن استخدام سرعة الضوء لتحديد قيم كل من ( “السنة الضوئية”، و”الدقيقة الضوئية”، و”الثانية الضوئية”)-  كما أصبحت قياسات سرعة الضوء أيضاً عاملاً رئيسياً عند يتعلق الأمر بتحديد معدل التوسع الكوني.

أصبح علماء الفلك، ومنذ بداية عشرينيات القرن الماضي، يدركون بأن الكون آخذ في التوسع عن نقطة منشأه، وذلك بالاستناد لملاحظات كل من (لوميتر) و(هابل)، كما بينت قراءات الأخير أيضاً أنه كلما كانت المجرة أبعد كلما كانت تبدو بأنها تتحرك بشكل أسرع، واستناداً لما يشار إليه اليوم بمعامل هابل، فإن ثابت توسع الكون هو 68 كم / ثانية لكل ميغابارسيك.

هذه الظاهرة، التي يعتقد بأنها تعني أن بعض المجرات يمكن في الواقع أن تتحرك بسرعة أكبر من سرعة الضوء، قد تضع حداً لما هو ملاحظ في عالمنا، ففي المبدأ، تحرك المجرات في الفضاء بسرعة أكبر من سرعة الضوء سيجعلها تعبر “أفق الحدث الكوني”، وهناك لن تعود مرئية بالنسبة لنا.

بالإضافة إلى ذلك، وفي تسعينيات القرن الماضي، أظهرت قياسات الانزياح الأحمر للمجرات البعيدة بأن توسع الكون يتسارع منذ مليارات السنين الماضية، وقد أدى ذلك إلى ظهور نظريات مثل “الطاقة المظلمة”، والتي تشير بأن قوة غير منظورة هي من يقود توسع الفضاء نفسه، وليست الأجسام (وبهذا لا يكون قد تم تجاوز سرعة الضوء أو انتهاك النظرية النسبية).

قد نجد في يوم من الأيام وسيلة لتجاوز سرعة الضوء، ولكن في الوقت الذي لا نمتلك فيه أي أفكار عملية لكيفية حدوث ذلك، فإن الخطوة الذكية ستكون في تمويل التقنيات التي سيكون من شأنها أن تسمح لنا بالتحايل على قوانين الزمكان، وحتى ذلك الوقت، سيكون علينا الاكتفاء بالكون الذي يمكننا رؤيته، والالتزام باستكشاف الجزء الذي يمكننا الوصول إليه من الكون باستخدام الطرق التقليدية.