لماذا نبكي؟

22 يونيو , 2016

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

http://nok6a.net/?p=21404

هل من غير المألوف أن يبكي الرجال على الداوم؟ هذه إحدى الأسئلة التي يتم معالجتها مؤخراً في برنامج (series The Curious Cases of Rutherford) الذي يتم بثه على إذاعة (BBC 4)، حيث كان المقدمان يحاولان استكشاف علم البكاء، فإذا كان الرجال يبكي أقل من النساء، فمن أين نبع هذا الأمر؟ وما هي فوائد ذرف الدموع؟ ومن الناحية التطورية، لماذا نبكي أصلاً؟

الجواب على سؤال ما إذا كان من غير المألوف أن يبكي الرجال بشكل مستمر واضح ومباشر، فوفقاً لجميع الدراسات التي تم إجراؤها تقريباً، فإن النساء يبكين أكثر من الرجال، وهذه النتيجة ثابتة منذ أن بدأ البحث في هذا المجال، فبحسب دراسة عالم النفس (وليم فراي) التي أجراها في عام 1982، فإن النساء يبكين في المتوسط 5.3 مرة في الشهر، في حين لا تسمح رجولة الرجال لهم بالبكاء سوى 1.3 مرة في الشهر، وفي المتوسط، من المحتمل أن تستمر النساء في البكاء لمدة خمس أو ست دقائق، مقارنة مع دقيقتين أو ثلاثة بالنسبة للرجال.

من جهة ثانية، أشارت أبحاث عالم النفس الهولندي (إد فينجرهوتز) من جامعة تيلبيرج، بأن هناك انقساماً بين الجنسين عندما يتعلق الأمر بالبكاء، وهذا الأمر يبدأ في مرحلة الطفولة، فالبكاء في مرحلة الطفولة يعتبر حيادياً ومنتشراً بين الجنسين، أي أن جميع الأطفال يفعلون ذلك على قدم المساواة، والجدير بالذكر أن علماء النفس التطوري يعتبرون البكاء عند الأطفال مؤشراً صوتياً عن حاجتهم للوالدين، ولكن لا بد وأن جميع الآباء قد اكتشفوا ذلك بالفعل.

ولكن ما الذي يفسر ظهور التفرقة بين الجنسين من الطفولة إلى سن البلوغ؟

من الواضح أن العوامل الثقافية تلعب دوراً هاماً في هذا الموضوع، بل في الواقع، فإن هناك نتائج غير مباشرة تدعم هذه الفكرة، حيث أظهرت إحدى الدراسات التي تم تكرارها في بلدان مختلفة بأن الأشخاص يبكون أكثر في البلدان التي يعتبر فيها البكاء أكثر قبولاً من الناحية الاجتماعية، كما وجد (فينجرهوتز) أيضاً بأن الأشخاص يبكون أكثر في البلدان الغنية، وهذا يجعلنا نستنتج بأن الازدهار الاقتصادي يسمح لنا بطريقة أو بأخرى بأن نكون أكثر قدرة على التعبير عن عواطفنا، ويحوّل الأشخاص إلى رضّع بكّائين.

لكنه مع ذلك يعتقد بأنه التكيّف الاجتماعي ليس هو الأمر الوحيد الذي يحد من بكاء الرجال، بل أيضاً هرمون التستوستيرون، حيث يشير إلى أن مرضى سرطان البروستات الذين تتم معالجتهم بعقاقير تخفض من مستويات هرمون التستوستيرون يبكون أكثر، وذلك على الرغم من أن البعض قد يقولون بأنهم قد يكونون أكثر ضعفاً من الناحية العاطفية لأنهم ببساطة مصابين بالسرطان.

بالعودة إلى سؤال لماذا نبكي، إليكم الجواب، ببساطة نحن لا نعرف.

البشر هم الكائنات الوحيدة التي تبكي لأسباب عاطفية (كان هناك بعض الاقتراحات في الماضي التي تقول بأن الفيلة تبكي في الحداد، ولكن تم إثبات عدم صحتها بعد التدقيق في الأمر)، ومن الغريب بأن هذا الموضوع لم يتم البحث فيه بما يكفي، فنحن لا نعرف السبب لذي يجعلنا نبكي من الألم الجسدي، ولا نعرف لماذا نبكي من الصدمة العاطفية (ما يسمى الدموع النفسية)، أو حتى في لحظات السعادة الكبيرة، ولكن على اعتبار أننا مخلوقات اجتماعية بجدارة، فقد يكون البكاء مؤشراً، أو وسيلة خارجية لننقل حالتنا النفسية الداخلية العميقة والهامة إلى الآخرين، ولكن هذا مجرد تخمين.

من جهة ثانية، قد يكون الأمر عبارة عن تنفيس عن مكامين صدورنا، ففي دراسة أخرى من الدراسات التي أجراها (فينجرهوتز) مؤخراً، وفي محاولة منه لتقييم مدى صحة القول المأثور بأن الأشخاص عادة ما يشعرون بالتحسن بعد البكاء، طلب من المتطوعين في دراسته التي تم إجراؤها في عام 2015، تقديم تقرير عن حالتهم النفسية قبل مشاهدتهم لواحد من اثنين من الأفلام التي تُعرف بحثّها على البكاء، كان إحداها هو الفيلم الحائز على جائزة الأوسكار “الحياة جميلة” (Life is Beautiful)، الذي يروي حكاية رجل يهودي حاول التعامل مع المحرقة اليهوية في أوروبا من خلال الكوميديا والشفقة، أما الفيلم الثاني فقد كان “هاتشي: حكاية كلب” (Hachi: A Dog’s Tale)، ثم طلب منهم ملء ذات النموذج من الأسئلة مباشرة بعد مشاهدة الفيلم، وبعد 20 دقيقة، وبعد ساعتين من مشاهدته، وكانت النتائج واضحة جداً، حيث تبين بأن أولئك الذين لم يبكوا لم يحدث أي تغيّر لديهم في المزاج، أما بالنسبة لأولئك الذين بكوا، فقد تحسن مزاجهم بشكل ملحوظ، وبهذا استنتج بأن للبكاء تأثير مهوّن، وبأنه يبدو أن الأشخاص يشعرون بالتحسن بعد البكاء.