على عكس السائد، لون البحر الأزرق ليس ناجماً عن انعكاس طبقة الأوزون

1 أكتوبر , 2016

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

http://nok6a.net/?p=22688

وصف (جيمس جويس) لون البحر بأنه هلامي أخضر، في حين وصفه اللورد (بايرون) بالأزرق الداكن، أما في كتابات (هوميروس) فقد جاء وصف لون البحر في كثير من الأحيان بـ”الظلام النبيذي”.

كل من هؤلاء الأدباء العظماء وصف لون البحر بطريقته، ولكان الاختلاف في نثرهم لم يأتي فقط لكونهم أرادوا وضع بعض الاستعارات الشعرية، حيث أن لون البحر والمحيطات يمكن أن يتغير بشكل ملحوظ وفقاً للزمان والمكان، وهذا اللون يمكن أن يتراوح بين الفيروزي الرائع والأخضر المبيض، مروراً باللازوردي والأزرق الغامق، حتى الرمادي والبني الموحل.

إذاً لماذا يعتقد جميعنا بأن البحر ذو لون أزرق؟

إن الاختلاف في لون البحر يعود إلى مجموعة من الظروف الفيزيائية والبيولوجية.

ألوان قوس قزح

عادة ما يكون الماء النقي صافياً، ولكن إذا كان عميقاً بما فيه الكفاية، فإن الضوء لن يكون قادراً على الانعكاس عن قاع البحر، مما يجعل الماء يبدو بلون أزرق داكن، هذا يعود إلى حد كبير إلى بعض القواعد الفيزيائية الأساسية.

تحتوي العين البشرية على خلايا قادرة على الكشف عن الإشعاع الكهرومغناطيسي الذي تتراوح أطوال موجاته ما بين حوالي الـ380 و700 نانومتر، وفي هذا النطاق، فإن الأطوال الموجية المختلفة ترتبط بالألوان المختلفة التي نراها في قوس قزح.

بشكل عام، فإن جزيئات الماء تعتبر أفضل في امتصاص الضوء ذو الموجات الطويلة، وهذا يعني اللون الأحمر، والبرتقالي، والأصفر والأخضر، هذا يجعل معظم نطاق اللون الأزرق، الذي يمتلك أطوالاً موجية أقصر، أقل عرضة للامتصاص، مما يمكنه من التغلغل إلى أعماق أكبر من قاع البحار، وهذا مما يجعل المياه العميقة تبدو أكثر زرقة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الضوء ذو الأطوال الموجية القصيرة يكون أيضاً أكثر عرضة للتبعثر أو الانحراف في اتجاهات مختلفة، بما في ذلك الارتداد عن سطح المياه نحو أعيننا، وهذا أيضاً يجعل البحار تبدو زرقاء.

ومع ذلك، فإن مياه البحر النقية تختلف بعض الشيء، حيث أن الجسيمات العالقة في داخلها يمكن أن تزيد من تشتت الضوء، كما أن الرمال والطمي الذي يتم حمله إلى البحر من قبل الأنهار، أو رفعه من قاع البحر عن طريق الأمواج والعواصف، يمكن أن يؤثروا على ألوان المياه الساحلية، وبالإضافة إلى ذلك، فإن المخلفات العضوية، مثل المواد النباتية المتحللة والمعروفة علمياً بأنها المادة العضوية التي تعمل على تحليل الضوء، يمكن أيضاً أن تعقد الصورة من خلال إضافة اللون الأخضر والأصفر أو البني.

تلك هي العوامل الفيزيائية. ولكن الأهم من ذلك هي العوامل البيولوجية، وذلك لأن التأثير الأكبر على لون البحر يحدث بواسطة كائنات دقيقة تسمى العوالق النباتية.

تلك الطحالب التي عادة ما تكون أصغر من رأس الدبوس، هي كائنات وحيدة الخلية تستخدم صباغ الكلوروفيل الأخضر لالتقاط الطاقة من الشمس وتحويل الماء وثاني أكسيد الكربون إلى المركبات العضوية التي تشكل أجسامها، ومن خلال هذا التمثيل الضوئي، فإنها تعتبر المسؤولة عن توليد ما يقرب من نصف الأكسجين الذي نتنفسه.

الأهم من ذلك هو أن تلك العوالق النباتية تمتص الأجزاء الحمراء والزرقاء من طيف الضوء المرئي من الإشعاع الكهرومغناطيسي، وتعكس الجزء الأخضر، وهو ما يفسر السبب الذي يجعل البحار التي تزدهر فيها تلك الطحالب تظهر باللون أخضر.

الطحالب

إن تحديد لون المحيطات هو أكثر من مجرد فعل جمالي، حيث كان العلماء يراقبون ألوان المحيط من خلال الأقمار الصناعية منذ عام 1978، وقد أسفرت هذه الدراسات عن صور مثيرة، بما في ذلك صورة المخالب العملاقة ذات اللون الأزرق والأخضر التي تتراقص في دوامات حول بعضها البعض.

بالإضافة إلى جمالها، فقد خدمت هذه الصور هدفاً أكبر، حيث كان بالإمكان استخدامها لمراقبة مستويات التلوث والعوالق النباتية.

يمكن للعوالق النباتية أن تتكاثر بسرعة كبيرة جداً استجابة لتغيرات البيئة المحيطة بها، مثل التغيرات في درجات الحرارة والتغيرات المفاجئة في مستويات المواد الغذائية، وقد أثبت العلماء أن عددها السكاني يمكن أن يتضاعف في يوم واحد.

بسبب مكانها في قاعدة السلسلة الغذائية البحرية، فقد يكون لها كذلك تأثير كبير على النظام البيئي بأكمله، فهي مصدر الغذاء الرئيسي للعوالق الحيوانية والحيوانات الصغيرة مثل مجدافيات الأرجل والكريل وقنديل البحر، بدورها فإن هذه العوالق الحيوانية تعتبر الغذاء الرئيسي لأسماك تشكل أيضاً غذاءً أساسياً لحيوانات أخرى، من الأصداف البحرية لأسماك القرش والحيتان.

إن التغيرات في الأعداد السكانية وتوزيع العوالق النباتية، والاختلافات في معدلات نموها، يمكن أن يكون أيضاً بمثابة إنذار مبكر ينبه العلماء إلى حصول تغيرات بيئية، فكلما زاد عدد العوالق النباتية التي تطفو حول المحيطات في العالم، زاد امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ولأن ثاني أكسيد الكربون يعتبر الغاز الأساسي المسبب للاحتباس الحراري، فكلما زادت نسبة تحوله إلى مادة عضوية تغوص إلى قاع المحيطات بمجرد موت العوالق النباتية، كلما انخفض متوسط درجات الحرارة في المستقبل.

تبعاً لـ(فينيسيا ستيوارت)، المنسقة العلمية في فريق التنسيق الدولي المعني بلون المحيطات، فعلى اعتبار أن العوالق النباتية تقوم بسحب ثاني أكسيد الكربون من الجو وتقديم الأكسجين بدلاً عنه، فإنها تلعب دوراً هاماً في دورة الكربون العالمية، وهذه الدورة يمكن أن تحدد تركيز ثاني أوكسيد الكربون في المستقبل، ولذلك فإنها من المعلومات التي يمكن استخدامها للمساعدة في وضع النماذج لتتبع التغير المناخي.

يمكن أن لتغيرات لون المحيطات أن يكون مؤشراً على بداية الظاهرة القاتلة المعروفة باسم المد الأحمر، أو تكاثر الطحالب الضارة.

تنتج بعض أنواع العوالق النباتية سموماً يمكن أن تقتل الأسماك والطيور والثدييات وتسبب الأمراض التي تصيب الإنسان، وإذا ما وجدت بتركيزات مرتفعة فإنها يمكن أن تشكل ما يسمى بالمد الأحمر، والذي ليس بالضرورة أن يكون أحمراً دائماً، كما أنه لا يتعلق بحركة المياه.

فهم البحر

ما عدد المرات التي يقوم بها العلماء بإجراء المسوحات لتعقب الألوان المتغيرة للبحار والمحيطات؟

تستخدم الأقمار الصناعية التي تحمل على متنها أجهزة لقياس شدة الضوء المرئي الآتي من المياه كتقنية رئيسية في إجراء المسوحات.

تتبعثر معظم أشعة الشمس التي تصل إلى سطح البحر من خلال الجسيمات التي توجد في الهواء، وما تبقى من تلك الأشعة يتم  استيعابه أو بعثرته من قبل المياه، ولكن حوالي 10% من الأشعة ترتد من الماء نحو الغلاف الجوي، لتلتقطها الأقمار الصناعية، التي تقيس نسبة اللون الأخضر أو الأزرق في الطيف.

بعد ذلك، يتم استخدام خوارزميات حاسوبية لمعالجة هذه البيانات وتقدير مقدار الكلوروفيل في الماء.

بدأ إجراء هذه المسوحات في عام 1978 مع بعثة تجريبية لناسا في عام 1997، وقد قامت الوكالة بإطلاق جهاز الاستشعار (SeaWiFS) على متن أقمار صناعية أخرى، مما أدى إلى تحسن نوعية مراقبة لون المحيطات، ومنذ ذلك الحين، قامت كل من وكالة الفضاء الأوروبية (إيسا)، والهند وكوريا الجنوبية أيضاً بإطلاق أجهزة استشعار خاصة بها.

بحسب (ديفيد أنطوان)، رئيس مركز الاستشعار عن بعد والبحوث الفضائية في جامعة كيرتن في بيرث، أستراليا، فإنه من المقرر إطلاق جيل جديد من أجهزة الاستشعار في وقت لاحق من هذا العام، حيث ستسمح هذه الأجهزة للباحثين بمراقبة الضوء الذي يرتد عن البحر بمزيد من التفصيل، والتمييز حتى بين الأنواع المختلفة من العوالق.

استطاع العلماء بالفعل اكتشاف مجموعة من العوالق النباتية التي تسمى ببذيرات جيرية والدياتومات من خلال هذه التقنية، وتبعاً لـ(ستيوارت) فمن الواضح أنه من المفيد أن يكون الباحثين قادرين على التمييز بين أنواع العوالق النباتية المختلفة، حيث أن كل منها يلعب دوراً وظيفياً مختلفاً في النظام البيئي.

الصحاري المحيطية

إن إجراء المسوحات للون البحار والمحيطات قد حقق أيضاً نتائج أكثر أهمية، ففي العام الماضي، نشر باحثون أمريكيون دراسة تبين كيف أن مستويات الكلوروفيل في المحيطات قد تغيرت في جميع أنحاء العالم بين عامي 1998 و 2012.

على الرغم من أنه لم يكن هناك اتجاه عام في ذلك التغيير، إلّا أن الأشكال المتغيرة التي التقطت بواسطة الاقمار الصناعية تشير إلى انخفاض مستويات الكلوروفيل في بعض المحيطات في نصف الكرة الشمالي، وزيادتها في بعض أحواض المحيطات في نصف الكرة الجنوبي.

دفع هذا البعض للاقتراح بأن المناطق البحرية التي تحتوي على مستويات منخفضة بشكل خاص من الكلوروفيل، والتي تعرف أحياناً باسم “صحارى المحيط”، بدأت بالتوسع نتيجة ارتفاع درجة حرارة البحر.

بحسب (ستيوارت)، فإن ازدياد حجم المناطق الصحراوية للمحيطات في نصف الكرة الشمالي يعتبر مصدراً للقلق، وقد تم التحقق من ذلك من خلال البيانات التي تم أخذها من أجهزة استشعار أخرى، لذلك فهناك بالتأكيد شيء ما يحدث.

يعتقد آخرون بأن البيانات التي تم تجميعها غير كافية لإثبات أن ظاهرة الاحتباس الحراري تؤثر على مستويات العوالق النباتية في البحار، والتي يمكن أن تختلف بطبيعة الحال على مدى 15 سنة أو أكثر.

تشير بعض الدراسات إلى أن العلماء يحتاجون إلى مراقبة لون البحار والمحيطات لأكثر من 40 سنة لتحديد ما إذا كان تغير المناخ يؤثر على العوالق النباتية، وهذا قد يعني أن علينا الانتظار حتى عام 2038 للحصول على نتائج مبنية على مسوحات ذات جودة عالية، وعندها فقط سنعرف حقاً ما إذا كان لون المحيطات قد تغير، وإلى أي درجة قد تغير حقاً، وسنتمكن أيضاً من استنتاج ما إذا كان البشر  يؤثرون على كمية العوالق النباتية التي توجد في البحار والمحيطات، وتأثير ذلك على دورة الكربون العالمية.