خلافات الأزواج الصامتة تؤذي أطفالهم أيضاً

17 أكتوبر , 2016

عن الكاتب

مترجمة متخصصة بترجمة المقالات العلمية وأحد أعضاء فريق الترجمة في نقطة، خريجة كلية الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة حلب سوريا، اختصاص اللغة الانجليزية.

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

http://nok6a.net/?p=22757

يمكن للأزواج التواصل بطريقة غاضبة بجميع أنواع الطرق غير اللفظية، مثل رمق بعضهما بنظرات قاسية أو اتباع نهج المعاملة الصامتة، وعلى الرغم من أنه من المعروف على نطاق واسع بأن النقاشات الحادة والمشادات الكلامية أمام الأطفال هي فكرة سيئة، إلّا أن الأبحاث الجديدة تشير إلى أن الصراعات غير اللفظية يمكن أن تحدث ذات تأثير الصراعات اللفظية على الأطفال.

تبعاً لـ(مارك كامينغز)، أستاذ علم النفس في جامعة نوتردام، والذي أجرى دراسات مستفيضة حول آثار الخلاف الزوجي على الأطفال لأكثر من 20 عاماً، فإن الأطفال يشبهون عدادات غايغر عاطفية، حيث أنهم متناغمون جداً مع اتصال الوالدين العاطفي ببعضها البعض، كما أنهم يدركون تماماً أن تعبيرات آبائهم غير اللفظية هي المفتاح للتواصل العاطفي.

بالنسبة لكثير من الأزواج، قد يبدو حمل الضغينة بشكل كامن دون السماح بتحول الخلاف لمباراة قتالية أفضل وسيلة للتعامل مع الصراعات، ولكن الأبحاث تظهر أن هذا النوع من الخلاف يمكن أن يتداخل بشكل كبير مع سلوك الطفل وشعوره بالأمان العاطفي، فعندما يمر الأطفال بحالة من الصراع غير المحسوم لفترات طويلة، يصبحون أكثر عرضة للدخول في معارك مع أقرانهم في المدرسة، وإظهار علامات الضيق والغضب والعدائية، وقد يعانون أيضاً من صعوبة في النوم ليلاً، وهذا يمكن أن يؤثر سلباً على أدائهم في المدرسة، وفي الواقع، فقد أظهرت العديد من الدراسات المختلفة التي قامت بإجراء قياس للاستجابات الانفعالية لدى الأطفال تجاه العدائية والانفصال والشقاق بين الأزواج، بأن هذا يؤدي إلى زيادة خطر إصابة الطفل بمشاكل نفسية مثل الاكتئاب والقلق والانسحاب الاجتماعي والعدوان.

كشفت النتائج أيضاً بأن الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة والذين يحاولون التأقلم مع المستويات المكثفة من النزاعات العائلية يعانون من صراعات عاطفية – لدرجة أنهم قد يظهرون ردود فعل فيزيولوجية مثل ارتفاع معدل ضربات القلب وضغط الدم.

لتحليل بعض من هذه الآثار، جمع الباحثون من إحدى الدراسات بيانات تعود لـ232 عائلة، وذلك باستخدام العديد من الطرق لدراسة كيفية تأثير صراع الوالدين على الأطفال، فمثلاً، قاموا بإحضار الآباء إلى المختبر وسجلوا فيديوهات لهم وهم يناقشون موضوعات صعبة، ليقوموا لاحقاً بجعل أطفالهم يشاهدون التسجيلات ومراقبة ردودهم العاطفية، ومن خلال هذا أشارت الأدلة بأن العدائية غير الشفهية –كنظرات الاحتقار، والعبوس، أو رفض الإجابة على سؤال الشريك- كان يسبب الإزعاج للأطفال بذات الطريقة التي تسببها مشاهدتهم لآبائهم وهم يخوضون جدالاً لفظياً أو يهاجمون بعضهم، وبحسب (كامينغز) فإن المسألة لا تتعلق ببساطة بما يقوله الآباء لبعضهم لفظياً، حيث يبدو بأن العديد منا يقللون من شأن حساسية الأطفال لبيئتهم.

في تجربة أخرى، طُلب من الآباء والأمهات بأن يقوموا بكتابة يوميات لهم يسجلون فيها النزاعات التي وقعت بينهم سواءً أمام أطفالهم أو وراء الأبواب المغلقة، وبعد إجراء التحليلات، خلص الباحثون إلى أن الأطفال يدركون الوضع تماماً حتى عندما تكون الأمور قد حدثت خارج نطاق رؤيتهم، وبعبارة أخرى، فإن الأطفال هم محللين أذكياء، حيث أن بمقدورهم التفريق بين الحالة التي يكون فيها أولياء أمورهم يتظاهرون فقط بحل مشاكلهم وبين الحالة التي يكونون فيها يعملون حقاً على حلها، ولكن هذه الدراسات الرائعة تثير تساؤلات حول الافتراضات التقليدية حول التربية.

في كتابهما “الصراعات الزوجية والأطفال”، يفصّل كل من (كامينغز) وأستاذ علم النفس في جامعة روتشستر (باتريك تي. ديفيس) الأنواع المختلفة من الأساليب الضارة التي يستخدمها الأزواج عندما يكونون غاضبين من بعضهم والتي يمكن أن تؤثر سلباً على استقرار الأسرة، فالشريك الذي يستخدم أسلوب التجنب، على سبيل المثال، يبتعد خلال الجدال أو “يستسلم” سامحاً بذلك لغضب الطرف الآخر أن يستعر، يخلق بيئة أسرية سلبية تؤدي لخلق تأثير تراكمي على تكيف الطفل بشكل عام، وهذا يثير فكرة إعادة النظر في أساليب الوالدين لإدارة الغضب، فالأمر لا يتعلق فقط بما يقوله الآباء لبعضهم البعض لفظياً، ولكن بالكيفية التي يتفاعلون فيها مع بعضهم على أساس يومي.

من المفهوم أن الآباء والأمهات قد يربطون “الخلافات الزوجية” بالألفاظ العدائية والقتال علناً أمام الأطفال، ولكن وفقاً لـ(راماني دورفاسولا)، وهي عالمة نفس سريري في ولاية كاليفورنيا، فإن الاستياء الزوجي قد يجعل الأطفال أكثر احتمالاً لإلقاء اللوم بالمشكلة على أنفسهم.

أشارت (دورفاسولا)، إلى أن الطفل الذي يشهد هذا النوع من السلوكيات يكون أكثر احتمالاً أيضاً لتكرار ذلك في علاقاته المستقبلية وخاصة مع وصوله إلى مرحلة المراهقة والبلوغ، كما وقد وجدت دراسة أخرى تم إجراؤها في وقت سابق من هذا العام أنه عندما تحدث مثل هذه الصراعات في مرحلة رياض الأطفال، فإن الأطفال أيضاً يكونون أكثر عرضة للمعاناة من صعوبات في التأقلم في سن المراهقة، ومن وجهة نظر علماء النفس، فإن هناك سلسلة كاملة من المشاكل النفسية التي يمكن أن تتطور مع مرور الوقت نتيجة التعرض المستمر للمشاكل الأسرية التي لا يتم حلها، مثل انعدام الأمن العاطفي المتزايد والاختلال.

مع ذلك، فقد خلص بعض الباحثين أيضاً إلى أن الأطفال يستفيدون فعلاً من رؤية الآباء والأمهات وهم يتعاملون مع المشاكل – على الأقل عندما يتم التعامل معها بشكل جيد من خلال حل المشكلات والتسويات-، ولكن على الرغم من أن الخلافات قد تكون ضرورية للصحة الزوجية، فعندما يتعلق الأمر بالأطفال، فإن الأمر يتحول ليكون الفرق بين البناء أو الهدم.

بحسب (كامينغز)، فإن الأشخاص لا يتعاملون بشكل سيء مع الأشياء عن قصد، فهم يعتقدون بأنهم يفعلون الشيء الصحيح، ولكن هناك في الواقع طرق يمكن أن تكون جيدة وغير جيدة للقيام بذلك بالنسبة لأطفالهم، ولكن الشيء الجيد الذي وجدته العديد من الدراسات هو أنه إذا ما عمل شريكان معاً لإيجاد حل، وكان الأطفال يرون تلك العاطفة الإيجابية، فإن هذا يمسح الأثر السلبي للخلافات على الأطفال.

بالطبع، لا يمكن للتسوية دائماً أن تنقذ الزواج، ولكن هناك بعض الموارد المتاحة التي يمكن أن تساعد الأزواج للانتقال إلى مرحلة أفضل في علاقتهم، وليكونوا بذلك قدوة حسنة لأطفالهم، فعلى سبيل المثال، فإن الأزواج الذين يمارسون الذكاء العاطفي ويتبنون احتياجات بعضهما البعض بدلاً من الاختلاف مع بعضهم ومقامة بعضهم باستمرار، يكونون أكثر عرضة بكثير لنقل هذه المهارة إلى أطفالهم، وهذا العامل يمكن أن يلعب أيضاً دوراً مهماً في نجاح الطفل في وقت لاحق في الحياة، فالطفل الذي يكون أكثر قدرة على التفاعل بشكل جيد مع المشاعر والذي يستطيع التوافق مع الآخرين يكون لديه مستقبل أكثر إشراقاً، أياً كان مستوى ذكائه الأكاديمي.

 

عن الكاتب

مترجمة متخصصة بترجمة المقالات العلمية وأحد أعضاء فريق الترجمة في نقطة، خريجة كلية الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة حلب سوريا، اختصاص اللغة الانجليزية.

شاركها