الميسوفونيا: عندما تجعل الأصوات اليومية حياتك لا تطاق

24 يونيو , 2016

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

http://nok6a.net/?p=21427

تخيل بأنك تجلس على الشاطئ، وتستمع إلى الموسيقى وأنت تسترخي بشكل رائع، الطقس جيد، والبحر لا حدود له، الموسيقى تلامس شعورك وتتدفق عبر أوردتك لتبعث الدفء في نفسك، هذا الشعور يدفعك للاستسلام لأفكارك لتأخذك تلك الإيقاعات الجميلة المهدّئة إلى بلاد الأحلام.

الآن تخيل العكس تماماً.

أنت تمشي في متجر للبقالة، منذ لحظات كنت تشعر بأنك على ما يرام، ولكن الآن أنت تهتز، بدأ كل شيء يسبب لك الصداع وبدأت تشعر وكأن مطرقة تضرب على رأسك بشكل متكرر، كل شيء من مكبر الصوت، إلى صوت تلك المرأة التي تطلب من الموظف تفقّد سعر أحد المنتجات، يشعرك بأن هناك مثقاباً ينخر في رأسك، تحاول تجاهل صوت الآلات التي تضع الأسعار على المنتجات، ولكن الأصوات تستمر دون توقف، تحاول عندها التركيز فقط على اختيار علبة من حبوب الإفطار، ولكن الآن تبدو جميع علب حبوب الإفطار متشابهة بالنسبة لك، وبالكاد يمكنك التفريق بينها، ولكن على الأقل توقف نقر آلة التحقق من الأسعار أخيراً.

الآن، هناك شاب يقف وصديقته إلى جانبك، ذلك الشاب يبدو لطيفاً، يبدأ الشاب بالتحدث، ولكنه يقوم كل بضع ثوان بالتوقف لتنظيف حنجرته، وهذا أسوأ من صوت آلة التحقق من الأسعار، حيث أنك تشعر وكأن قلبك يسحق داخل صدرك، وكل ما يمكنك سماعه هو صوت تنظيف ذلك الشاب لحنجرته، عندها تبدأ بالشعور بالهلع، وكل ما يمكنك التفكير فيه هو ترك المكان في الحال ولكن عليك على الأقل الحصول على الطعام لهذه الليلة، أحم، أحم، أحم، في كل مرة يفعل ذلك، تشعر بوطأته عليك أكثر، وها قد بدأت راحتا يداك بالتعرق وأصبحت تشعر بأنك لا تريد شيء سوى الصراخ في وجه ذلك الشاب ليتوقف عن فعل هذا! ولكنك لا تفعل، تمشي بأدب بعيداً في الممر التالي، وتتساءل ما هو خطبك.

هذا ما يشعر به شخص يعاني من الميسوفونيا أو متلازمة كراهية الصوت.

بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من الميسوفونيا، فإن صوت السعال أو صوت الصرير المتكرر الناتج عن مساحات زجاج الأمامية للسيارة، أو صوت مضغ أحد أفراد الأسرة للطعام، قد يسبب استجابة فيزيولوجية ترافقها استجابة عاطفية مثل الذعر والغضب والرغبة الشديدة بمغادرة المكان.

ظهر مصطلح ميسوفونيا للمرة الأولى عام 2001 من قبل الزوجان (باول جي. جاستريبوف) و(مارغريت إم. جاستريبوف)، من جامعة إيموري، عتدما كانا يعالجان مريضاً يعاني من احتداد السمع، ولكن في الوقت الذي يعاني فيه الأشخاص المصابين باحتداد السمع من الألم نتيجة استجابتهم للضوضاء الصاخبة، فإن الأشخاص المصابين بالميسوفونيا يظهرون رد فعل منفر للغاية اتجاه الأصوات “المتكررة أو التي تمتلك لنمط واحد” وذلك بغض النظر عن مدى علو الصوت أو شدته، وتبعاً للباحث (جاستريبوف) فإن هذا قد يكون نتيجة لوجود خلل ما في مسارات الدماغ التي تعالج المعلومات السمعية والعاطفية.

لا تزال الأسباب الكامنة وراء الميسوفونيا غير معروفة، ولكن معظم الدراسات تثبت بأن جزءاً من الجهاز العصبي الذي ينشط آلية الهجوم أو الهروب (الجهاز الودي أو السمبثاوي) يتأثر بطريقة مفرطة في رده على الأصوات المنفرة الشائعة التي عادة ما تكون واحدة لدى الذين يعانون ميسوفونيا.

بالإضافة إلى ذلك، تشير هذه الدراسات إلى أنه عادة ما يكون هناك مشكلة في الربط بين المسارات السمعية في الدماغ، والمسارات التي يتم فيها معالجة العواطف، كما كشفت الدراسات التي تضمنت تصويراً للدماغ وجود فرط في تنشيط هذه المناطق (أي، عندما يستمع المرضى الميسوفونيا للضوضاء التي يجدونها منفرة، فإن هذه المناطق المعينة في الدماغ تبدأ بالإضاءة).

حالياً، لا يوجد علاج موصى بها للميسوفونيا، والذين يعانون من هذه الحالة ينتظرون المزيد من البحوث التي من شأنها أن تؤدي إلى إيجاد العلاجات، في غضون ذلك الوقت، يعيش بعض الأشخاص الذين يعانون من الميسوفونيا حياة محدودة جداً، أو حتى معزولة اجتماعياً في بعض الأحيان والبعض الآخر قد يكون غير قادر على العمل.

لم يتابع الـزوجان (جاستريبوفان) دراسة الميسوفونيا بعد تسميتهما لهذا الاضطراب في عام 2001، حيث أن الحصول على تموبل لاضطراب تم تسميته حديثاً يكاد يكون مستحيلاً، وبدلاً من ذلك باشرا بعلاج مرضاهما على افتراض بأن الميسوفونيا يمكن علاجها باستخدام طريقة مشابهة لتلك التي تستخدم لعلاج احتداد السمع.

ظلت دراسة الميسوفونيا معلقة لما يقارب الـ10 أعوام وذلك حتى ظهرت مقالة دفعت الآلاف من الأشخاص الذين يعانون من الميسوفونيا للتجمع على شبكة الإنترنت، وتشكيل مجموعات دعم لمناقشة مهارات التأقلم والعلاجات الممكنة وأخبار الأبحاث عن هذه الحالة، ومنذ عام 2011، نمت هذه المجموعات لتصبح أضعافاً مضاعفة في كل أسبوع.

نتيجة لعدم وجود ما يكفي من الأبحاث والعلاجات لهذه الحالة، ظهر العديد من المحتالين على وسائل الاعلام الاجتماعية وعلى شبكة الانترنت الذين لا يمتلكون خبرة واضحة في هذا المجال، ليحاولوا الإستفادة وبيع منتجات وتطبيقات تعد بـ”تهدئة الغضب الناتج عن الميسوفونيا”.

بإضافة إلى هذه الفوضى تأتي بحوث المجموعات الأكاديمية الناشئة حديثاً (والمربكة باستمرار) عن الميسوفونيا، فمع انطلاق البحوث الأكاديمية، تحوّل تصنيف هذا النوع من  الاضطرابات من مجال الأعصاب السمعية إلى الطب النفسي وعلم النفس، وبدأ الأطباء النفسيين وعلماء النفس من جميع أنحاء العالم يتحدثون حول مرضاهم ومدى ارتباكهم من هذه الحالة “الجديدة”، ولم يرد في أي من هذه الدراسات أي إشارة إلى الأعصاب السمعية، ولكن إذا كانت الميسوفونيا عبارة عن اضطراب نفسي، فكيف يحدث ذلك؟

تصر مجموعة من الأطباء النفسيين وعلماء النفس على تصنيف الميسوفونيا تحت فئة الوسواس القهري والاضطرابات ذات الصلة، وهي تقدم العديد من العلاجات القائمة على البحوث الخاصة بها، ولكن لم تخضع أي من هذه العلاجات للتجارب السريرية الصحيحة.

ولكن في النهاية، لا ينبغي على الذين يعانون من الميسوفونيا أن يلجأوا إلى اليأس، فلحسن الحظ، هناك مجموعة ثالثة من البحوث التي تشمل بعض العلماء الذين يبدو بأنهم يقومون حقاً بمحاولة اكتشاف الميسوفونيا، وبدأوا يساهمون في نشر أعمال ممتازة ابتداءًا من تحديد الآليات العصبية الكامنة وراء هذا الاضطراب.