الشريحة بداخلك

2 أبريل , 2012

عن الكاتب

شاركها

الرابط المختصر لهذا المقال

http://nok6a.net/?p=3633

ماذا لو كان –ولعياذ بالله- أحد أقربائك مريضا مسنا و عليه أن يأخذ أكثر من سبع حبات من الدواء؟ ماذا لو كان ثلاثة منهم يؤثرون مباشرة في ضغط الدم أو مستوى السكر في الدم و كلها أشياء حيوية لمن هم في مثل سن هذا المريض, و أي سهو أو خطأ يؤثر سلبا على صحته و قد يودي بحياته… ماذا لو أخبرتك أن هناك حبات دواء محملة بشريحة دقيقة مصنعة من مواد عضوية تذوب في الجسد, تعمل فقط عند ابتلاع حبة الدواء, فتقوم بتحديث برنامج بسيط محمل على هاتف المريض المحمول ويراه الطبيب مباشرة و من يختار من أقرباء المريض, هل يطمئن قلبك حتى ولو كنت مسافرا عن قريبك المريض؟

 

حسنا هذا ليس حلما, هو حقيقة من شركة إسمها بروتس للطب الحيوي Proteus Biomedical. وقد وقع عملاق الأدوية و المستحضرات الطبية نوفارتيس Novartisعقدا مع الشركة لأبحاث مشتركة حول هذه الفكرة. يقول المدير العام لشركة بروتس أندرو تومسون Andrew Thomson: ” نضع شريحة كمبيوتر مصنوعة من مواد عضوية, يتم تفعيلها مباشرة بعد أن تبتلع حبة الدواء و من ثم تذوب الحبة و الشريحة في المعدة كما الطعام في خلال دقائق معدودة. ولكن الشريحة في خلال هذه المدة القصيرة ستتواصل لاسلكيا مع شريط طبي لاسق مرن على جسد المريض, و الذي بالتبعية سيرسل بيانات الحبة و بيانات عامة عن صحة المريض إلى هاتفه النقال ومنه إلى موقع شخصي به “بروفايل” يراه الطبيب المعالج لمتابعة الحالة أولا بأول. بينما الشريط اللاصق يجمع بيانات أكثر عن سرعة ضربات القلب, سرعة التنفس, النشاط الحركي… إلخ”.

تومسون الذي تمت دعوته على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي لعرض أفكاره و مشاريع شركته منذ العام 2009 و ألحق بذلك خطاب له في محاضرات تيد الشهيرة TED, يحب أن يذكر المعجبين بالفكرة: أن المستخدم الأساسي لهذه التكنولوجيا هو دول العالم الثالث و بالأحرى أي دولة وصلها التليفون المحمول. لأنه و ببساطة سيصبح “معمل على حبة دواء” يصلك في منزلك و به تتم متابعة الحالة من أي دولة في العالم, ومعه يتم تقديم خدمات طبية متقدمة بسعر زهيد نسبيا. ولكن ما يهمنا نحن في هذا المقام إذا كنا سنستخدمها قريبا بوصفنا من دول العالم الثالث حاليا, هو ما هي التكنولوجيا أو ما هي العلوم خلف هذه الفكرة؟

معمل على شريحة

تحدثنا في مقالنا السابق عن النانو متر و قلنا: أن واحد نانو متر هو جزء من مليون من الميليمتر. وعرفنا أن علوم النانو هي تلك العلوم المهتمة بتصنيع منتجات بدقة 1-100 نانو متر. صحيح أن هذه التكنولوجيا بادئ الأمر تم استخدامها لتطوير الخواص الطبيعية للمواد الصناعية. لنقل مثلا لصنع زجاجات لا تتعلق بها البكتريا, حيث أن البكتريا أكبر كثيرا من مقياس النانو هذا, البكتريا في المعتاد أكبر من نصف ميكرو متر, أي أكبر من 2000 نانومتر, و دقة المنتجات بهذه التكنولوجيا أقل كثيرا. ولكن أصحاب الأفكار المجنونة ما لبثوا أن قالوا: ماذا لو كان بإمكاننا تصينع مواتير عند مقياس النانو؟ ماذا لو كان بإمكاننا تصنيع مضخات و مرشحات و مجسات و محولات طاقة… تماما كما في الأجهزة الكهربية المعقدة كبيرة الحجم. ماذا لو أصبح لدينا كل المكونات التي نحتاجها لبناء “أجهزة كهربية” في هذا المقياس. حسنا, لم يقف الأمر عند هذا الحد بل تطاولت الأفكار للقول: مادام لدينا تروس ومواتير… لنصمم سيارة أو روبوت في هذا المقياس ولتكن لنا أبحاثا في طرق سير هذه المركبات. أخبرك أن النجاح في هذا الأمر لا يزال في خطواته الأولى. فأغلب المنتجات من هذه النوعية لا تزال في دقة “الميكرو-متر” وقليل منها وصل فعليا إلى النانو متر. يسمى العلم المنوط بتصغير الأجسام الميكانيكية إلى مقياس الميكرومتر MEMS (Microelectromechanical systems) أو الأنظمة الميكرو-ميكانوكهربية (الميكانيكية-الكهربية في مقياس الميكرو) أو كما تسمى خطئا في ويكي بيديا: كهروميكانيكية صغرى. و بالتبعية يسير العلم بخطى ثابتة لنفس العلم ولكن في مقياس النانو, أعني الأنظمة النانو-ميكانوكهربية NEMS (لقد أضفت لتوي كلمتين للغة العربية).

طفرة الأفكار

على أن الطفرة التي أحدثها تصغير المكونات الميكانيكة و الكهربية و دمجها معا لم يتوقف عند الأجهزة الكهربية و تطبيقات مثل: مجسات الشعور بالوضع و الحركة المستخدمة في أجهزة الألعاب ويي Wii أو في ألعاب آي-فون التي تميل فيها بهاتفك يمنة و يسارا و الهاتف يشعر بالحركة و بالسرعة… إلخ. هذه الطفرة إمتدت لتطبيقات أشد تعقيدا, حيث ظهرت أفكار “معمل على شريحة”. والفكرة ببساطة هي إعادة بناء الأجهزة المعملية الضخمة في مقياس النانو, بحيث تكفي عينة دم لا تزيد عن 5 ميكرولتر من الدم ليتم تحليلها كاملة و بدون الحاجة لطبيب.

وعليه فإن الشريحة الواحدة تحمل مضخات لسحب الدم, و غرف حرارية و غرف لتفاعلات كيميائية للدم, يتبعها مرشحات ميكانيكية لتحليل الدم و في الأخير غرف كيماوية تنتهي بمجسات غاز للتعرف على النتيجة النهائية للتحليل. كل ذلك في مقياس الميكرومتر حاليا و منتجات قليلة جدا في مقياس النانو متر. و للتذكير الميكرو متر هو جزء من مليون من المتر.

استمتع بألعابك و تذكر…

لذا فإن العلوم التي تدخل في مثل هذا المنتج هي علوم الهندسة الميكانيكية, الهندسة الكهربية, الصيدلة و الطب الحيوي, و علوم إنسياب الموائع في مقياس الميكرو متر و أغلبها علوم رياضيات تطبيقية, وعلوم النانومتر من التصميم إلى التصنيع. و تتزاوج كل هذه العلوم معا لتخرج لنا “معمل على شريحة”… تبتلعه و يذوب في الجسد بعدها.

سنخوض إن شاء الله في مقالاتنا القادمة في هذه العلوم كل على حدة و نطرح حلول للوطن العربي بما يناسبنا و طاقاتنا البشرية. المهم الآن.. في المرة القادمة التي تستخدم الآي-فون ملكك و تميله يمينا أو يسارا و أنت تلعب به تذكر أن إسم التكنولوجيا التي مكنتنا من ذلك هي تكنولوجيا الميكرو-ميكانوكهربية MEMS… و تمنى أن يتم تصميمها كاملة في بلادنا… واستمتع بألعابك أو بالبوصلة في هاتفك… .

 

 

 

 

عن الكاتب

شاركها

أضف تعليقك