التكنولوجيا النانوية ومستقبل الطب

15 أكتوبر , 2014

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

http://nok6a.net/?p=8947

نحن نسمع الكثير عن تكنولوجيا النانو منذ زمن طويل في كل من أفلام الخيال العلمي أو في الاعلام، ولكننا لم نرى الكثير من نتائجها حتى الآن، ولكن مؤخراً كان هناك موجة من العلاجات جديدة التي تقوم على أساس النانو تلوح في الأفق، وهذه الموجة قد تغير عالم الطب بمجمله.

تم طرح مفهوم التكنولوجيا النانوية لأول مرة من قبل (ريتشارد فاينمان) في عام 1959 أثناء قيامه بإلقاء إحدى محاضراته، أما من جعل هذه الفكرة تصبح أكثر شعبية فهو (إريك دريكسلر) وذلك من خلال كتابة “محركات الخلق” الذي صدر في عام 1986 والذي تحدث فيه عن إمكانية التكاثر الذاتي، والجدير بالذكر أن هذه الفرضية كانت الملهم للعديد من أعمال الخيال العلمي، بما في ذلك ما قدمه (مايكل كرايتون) في عمله “براي” وعمل (نيل ستيفنسون) الرائع “عصر الالماس”، وعلى الرغم من أن إمكانات التكنولوجيا النانوية أخذت وقتا طويلاً لتظهر على حقيقتها، لكنها بدأت أخيراً تظهر كنوع من الإجراءات الطبية التي من شأنها أن تؤدي إلى تغييرات عميقة في طبيعة الرعاية الصحية في المستقبل القريب.

تكنولوجيا النانو والطب:

بحسب (دريكسلر) فإن إمكانيات التكنولوجيا النانوية لم يسبق لها مثيل، حيث يمكن بناء مجتمعات علمية حقيقية إذا ما تمكنا من إيجاد الطريقة الصحيحة لبنائها، وستحدث عندئذ تحولاً عميقاً في حياة الإنسان، وبالطبع مازال أمام العلماء طريقاً طويلاً ليقطعوه، فالكثير من النواحي الطبية، مازالت مجهولة لحد الآن، ولكن في نواحٍ أخرى، فإن التقدم الطبي يسير بطريقة مدهشة ومفيدة، ففي الطب مثلاً كانت إحدى أكبر المشاكل التي تواجه الأطباء هي عدم قدرتهم على توجيه التدخلات الطيبة بشكل صحيح نحو الهدف، وفي الطب النفساني وعلم النفس الإكلينيكي، كان الأطباء يسعون بشكل مستمر لإيجاد طريقة تمكنهم من تحفيز بعض مناطق في الدماغ وقمع بعضها الآخر ليتمكنوا من حل المشكلة بشكل انتقائي مهما كانت المشكلة التي يعاني منها المريض، ويبدو أن طريقة التحكم بالأدوية لإحداث تغييرات لا تحصى على الدماغ والجسم، كانت هي الطريقة الأفضل التي أظهرت بعض من تلك الآثار المرجوة في العلاج.

إذا ما كان باستطاعة الجراحين أن يقوموا بوضع أسلاك في أدمغة البشر لكي يستطيعوا القيام بتحفيز مناطق معينة منها بطريقة آمنة، عندها يمكن للعاملين في مجال الصحة العقلية أن يتفادوا الآثار الجانبية للعلاجات الدماغية التقليدية،  وقد تبين بالفعل أن هذه التقنية تعمل بشكل فعّال في حالات الاكتئاب، وذلك وفقاً لمقال تم نشره في مجلة (Neuron)، كما أن الأمر نفسه ينطبق على مرض السرطان، فهدف أطباء الأورام هو قتل الخلايا السرطانية، لكن العلاج الكيميائي الذي يعد حاليا أفضل الأدوات التي يمكن استخدامها لقتل خلايا الورمية، ينطوي على الكثير من الآثار الجانبية ويقوم أيضاً بقتل الخلايا الطبيعية، الأمر الذي يتسبب بالمرض الشديد بالنسبة للمرضى.

لذلك فإن التكنولوجيا النانوية يمكن أن توفر وسيلةً ناجحة لتوجيه التدخلات الطبية إلى المكان الهدف في الجسم البشري، حتى وإن كان ذلك على مستوى الخلايا الفردية، حيث يتم ذلك باستخدام عناصر التشغيل الذكية والتي تكون صغيرة جداً بحيث لا تتداخل بشكل فيزيائي مع الوظيفة الطبيعية للجسم، حيث أن الأحجام الصغيرة تسبب ضرراً أقل، إضافةً إلى أن استخدام تكنولوجيا النانو توفر آلات أصغر من أرق الشعيرات الدموية في الجسم يمكنها السير إلى أي مكان يذهب إليه الدم، وإذا تم تصنيع هذه الأدوية بالذكاء المطلوب عندها ستقوم باختيار المكان والكيفية التي ستتدخل فيها في الجسم بحكمة، وبالتأكيد فإن المزيد من الإمكانيات ستكون متاحة إذا ما استطاع المهندسون التوصل لبناء روبوتات يمكنها أن تقوم بسلوكيات أكثر تعقيداً.

التقنية النانوية والسرطان:

يقول (دانيال ليفنير)، وهو مهندس بيولوجي في جامعة هارفارد، بأن تقنية النانو يمكن أن تسمح لنا ببناء أجهزة يمكن أن تستخدم في بناء أقفاص يمكن أن تفتح أو تغلق وفق الاستجابة المعينة لإحدى المنبهات الكيميائية، فعلى سبيل المثال يمكن برمجة هذه الأقفاص لتفرج عن العلاجات الكيميائية عندما تصطدم مع إحدى العلامات البروتينية المعينة المرتبطة تحديداً بالأنسجة الورمية، وهذا بدوره سيسمح للعلاجات الكيميائية أن تصبح موجهة، مما سيقلل من الآثار الجانبية للعلاج الكيميائي على الجسم وسيجعل منه  أكثر فعالية من العلاجات الحالية، ولكن هذه الآلية لا يمكن أن يتم استخدامها حالياً، بسبب الأخطار التي يمن أن تنجم عن آثارها الجانبية.

5184417241_5559587029_b

هناك أيضاً نهج آخر تتم مناقشته حالياً، حيث يتم فيه استخدام جزيئات صغيرة مصنوعة من السيليكون والذهب، تربط مع الأنسجة الورمية وتغلفها بالكامل، ومن ثم يتم تسليط حزمة من أشعة الليزر التحت الحمراء على المنطقة القريبة من تواجد الأنسجة المتورمة، حيث أن هذه الأشعة لا تتفاعل كثيراً مع الأنسجة البشرية، ولكنها تقوم بتسخين جزيئات الذهب التي تسلط عليها، وبهذه الطريقة يتم حرق هذه المناطق المحددة من الأنسجة المليئة بالجسيمات النانوية، لذلك فإن التحكم بكل من الليزر وتوزيع الجسيمات، سيمكن الأطباء من تدمير الأنسجة السرطانية بشكل انتقائي جداً، وبعد ذلك يمكن إزالة الأنسجة الميتة بالطرق الجراحية أو يقوم جهاز المناعة نفسه بتنظيفها، وذلك تبعاً لحجم الورم، كما أن هناك طريقة أو أخرى يجري مناقشتها أيضاً فيما يخص هذه التقنية وهي استخدام هذه العبوة المجوفة من الذهب لإطلاق حمولتها من العلاج الكيميائي عند تسخينها، مما يجعل استخدام أشعة الليزر ينحصر في صقل تلك الأنسجة التي تعرضت للدواء.

التكنولوجيا النانوية وتشخيص الأمراض:

يرجح أن تطلق تكنولوجيا النانو ثورة ضمن المجال الطبي في مجال جمع البيانات الطبية، فباستخدام التكنولوجيا النانوية، قد يصبح من الممكن توزيع أجهزة تشخيص نانوية في جميع أنحاء الجسم تستطيع اكشاف أي تغيير كيميائي يحصل في الجسم فور حدوثه، وهذا قد يتيح المجال لمتابعة أقرب للحالة الصحة للمريض بطرق لم تكن ممكنة من قبل، كما ويمكن الاستفادة من التكنولوجيا النانوية خارج الجسم أيضاً، وذلك لتسريع تشكل السلاسل الجينية وفي التحاليل الكيميائية، وذلك باستخدام نقاط كمومية تتعلق بجزء من سلسلة الحمض النووي أو تتعلق بالبروتينات التي ترتبط مع أي مادة من المواد التي يهتم الأطباء بدراستها، حيث يتم بعدها تحديد العناصر المتوهجة في العينة لمعرفة ماذا يوجد في داخلها.

هذه التقنية قد تجعل من بعض التحاليل المخبرية أسرع وارخص وأكثر موثوقية، حيث يمكنهم بذلك مثلاً تتبع سلسلة الجينوم لفيروس نقص المناعة البشرية الذي يوجد في قطعة صغيرة من الأنسجة، والكشف عن المرض في وقت مبكر وبطريقة أكثر موثوقية، والجدير بالذكر أن باحثين في جامعة ستانفورد كانوا قد استخدموا هذه التقنية للبحث عن الجينات التالفة الشائعة في بعض الأنواع السرطانية، باعتبارها وسيلة جيدة لفحص النسيج الورمي بشكل أسرع، فعلى اعتبار أن النقاط الكمومية يمكنها تتبع وجود جزيئات متعددة على مدى فترات طويلة من الزمن، فقد أقبل الباحثون على استخدامها لتوليد نوع من الباركود الضوئي الذي يعكس مستويات العلامات المختلفة التي تنتجها الأورام، حيث أن الباركود يمكن أن يشير إلى نوع الورم ومرحلته.

040715.qdot1

مع تقدم التكنولوجيا النانوية، يمكن أن يتم التوصل لصناعة كاميرات مجهرية بسيطة، أصغر من قطر الشعيرة الدموية الواحدة تقوم بمسح الجسم بأكمله وإرسال النتائج إلى هاتفك، واجتماع كل تلك البيانات معاً، يمكن أن يوفر خريطة كاملة لمعظم الأنسجة في الجسم البشري، وذلك من منظور كاميرا دقيقة بحجم الشعيرات الدموية تستطيع أن تظهر أصغر التفاصيل التي توجد في جسم الإنسان بأكمله، الأمر الذي يعد مستحيلاً مع الأشعة السينية أو التصوير بالرنين المغناطيسي.

التكنولوجيا النانوية والعلوم العصبية:

تمتلك التكنولوجيا النانوية القدرة أيضاً على التغيير من الطريقة التي يعالج فيها الأطباء الاضطرابات الدماغية، فعلى مستوى جمع البيانات، قد يكون من الممكن استخدام جزيئات الماس نانوية الحجم التي تلمع كرد فعل على نشاط كهربائي معين في الدماغ، حيث تقوم بتحويل النشاط الدماغي إلى ترددات ضوئية يمكن أن تظهر من خلال الجمجمة بطريقة يمكن من خلالها تسجيل هذه الترددات من قبل أجهزة استشعار خارجية، وهذه التقنية قد تسمح للعلماء بدراسة الدماغ بطريقة تفصيلية، حيث سيكونون قادرين على رؤية الأنماط الدقيقة للنشاط الدماغي، وهذا بدوره سيكون مفيداً لمعرفة ديناميكية النوبات العصبية والأمراض العقلية للفرد، والسماح بإجراء التدخلات اللازمة لحل المشكلة.

ujLvWEz3u6rN1eC3RHajqYXXXL4j3HpexhjNOf_P3YmryPKwJ94QGRtDb3Sbc6KY

من جانب آخر، فقد يكون من الممكن استخدام أنابيب الكربون النانوية لنقل الإشارات من وإلى الخلايا العصبية الفردية، حيث يجري حالياً تطبيق هذه التقنية من قبل باحثين إيطاليين لجعل النشاط الكهربائي ينتقل عبر أنسجة الدماغ الميتة جراء الإصابة بالسكتات الدماغية أو التهابات، كما يمكن أن يتم استخدمها أيضاً في تصنيع شبكات كهربائية دقيقة، مما يسمح بإجراء عمليات زرع أكثر تعقيداً وتترك ضرراً أقل على الأنسجة الأصلية، لذلك فإن هذه التقنية تعمل على مستويات عالية جداً من الدقة، وعلى نطاق أوسع من الأقطاب الكهربائية التقليدية، مما يتيح الفرصة أمام أنواع جديدة من الزراعة الدماغية وأجهزة التحفيز الدماغي للظهور.

وإلى جانب ذلك، فمن الممكن استخدام التقنيات النانوية ذاتها التي تستخدم في تقديم العلاج الكيميائي للخلايا السرطانية لتقديم مواد كيميائية أخرى، مثل توصيل الناقلات العصبية والأدوية النفسية إلى مناطق محددة من الدماغ بدقة أكبر بكثير من التقنيات المستخدمة حالياً، وهذا يمكن أن يشتمل أيضاً على مجموعة أوسع بكثير من العلاجات، بما فيها علاج الاكتئاب، والقلق، وحتى اضطرابات الشخصية.

يمكن أن نصل لمرحلة سيكون للتكنولوجيا النانوية فيها تأثير عميق على حالة الإنسان، حيث سنصبح قادرين على إصلاح الخلايا التالفة وعلاج مجموعة متنوعة من الآلام عند البشر بطريقة جديدة وأكثر فعالية، ولكن هذا في المقابل سيتطلب منا فهماً أكبر لأجهزة الجسم، إضافةً إلى وجوب تواجد الأخلاق الرفيعة لدى الذين يتعاملون مع هذه التقنية.