التعامل مع الحالات الطبية الحرجة في المهام الفضائية

27 مايو , 2015

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

http://nok6a.net/?p=16710

لكي يتم اختيار رواد الفضاء من قبل وكالة ناسا للذهاب إلى الفضاء، لا بد وأن يكون رائد الفضاء بصحة شبه ممتازة، ولا بد أن يكون أيضاً سليماً من أي أمراض مزمنة معروفة، وقادراً على الخضوع لتدريبات بدنية صارمة على مدى العديد من السنوات، ولكن على الرغم من أن رواد الفضاء قد يكونون في ذروة لياقتهم البدنية، إلّا أنهم في النهاية بشر، ومع أن ناسا تقوم بإجراء فحوصات دورية لجميع روادها، إلا أنه لا يوجد  أحد في مأمن من التعرض لحالات طبية تستدعي تدخل اختصاصيين بشكل مفاجئ، فحتى أكثر الاستعدادات والتدريبات التي يمكن اتخاذها لا يمكن أن تمنع حدوث كل أنواع حالات الطوارئ الطبية التي يمكن أن تحدث في المدار المنخفض للأرض.

تشير (دوريت دونوفيل) وهي نائبة رئيس العلماء في معهد الفضاء الوطني للبحوث الطبية والحيوية (NSBRI)، إلى أن أي شيء يمكن أن يحدث لأي شخص على الأرض يمكن أن يحدث له في الفضاء، فمثلاً يمكن أن يصاب رواد الفضاء بحصى الكلى، أو بصداع لا يمكن معالجته بالمسكنات العادية، أو قد يرتفع ضغط الدماغ لديهم، أو حتى قد يصابوا بنوبة القلبية، لذلك فلا عجب أن تقلق ناسا من التداعيات الطبية للمشكلة الطبية التي لم يتم إيجاد حلول لها بعد.

إن حدوث مثل هذه الحالات الطبية الطارئة في الفضاء يمكن أن يكون أمراً كارثياً، سواء بالنسبة لرائد الفضاء أو بالنسبة لوكالة الفضاء الدولية، خاصة وأن عدد الإمدادات والعاملين محدود جداً في محطة الفضاء الدولية، كما أن بيئة محطة الفضاء التي تتميز بجاذبية ضعيفة تجعل من الصعب جداً إجراء أي عمليات جراحية واسعة النطاق إذا لزم الأمر، لذلك فإن الخيار الوحيد المتاح أمام رواد الفضاء في حال حدوث مثل هذا السيناريو المهدد للحياة هو الإخلاء الطبي، وهو إجراء يأخذ الكثير من الوقت والمال ليتم تنفيذه، ولكن إذا كان الوضع خطير للغاية، فإن رائد الفضاء المريض قد لا يمتلك الوقت الكافي للانتظار حتى يتم إرجاعه إلى الأرض لتلقي العناية الطبية اللازمة.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، يقوم باحثون من ستانفورد حالياً باختبار طرق جديدة لعلاج رواد الفضاء الذين قد يعانون من نوبة قلبية في الفضاء، ولكن ماذا عن الحالات التي تكون أقل قابلية للتنبؤ، مثل التهاب الزائدة الدودية؟

تعمل ـ(دونوفيل) بمساعدة أفراد آخرين من معهد (NSBRI) بابتكار منتجات طبية يمكن استخدامها في محطة الفضاء الدولية في حالة الطوارئ، وعلى اعتبار أن ناسا تخطط للقيام برحلات فضائية طويلة الأمد، مثل مهمة الذهاب إلى المريخ، فإنها ستكون بلا شك بحاجة ماسة للحصول على مثل هذه المنتجات.

تقول (دونوفيل) أنه كلما زاد عدد الأشخاص الذين يقضون فترات أطول في الفضاء، زادت احتمالية حدوث حالات طبية سيئة على متن المركبة التي سيكونون فيها، لذلك لا بد من إيجاد طريقة يمكن من خلالها معالجة مثل هذه الحالات لتجنب الوصول إلى خيار الإخلاء الطبي المكلف إذا أمكن الأمر.

حالياً فإن الخيار الوحيد المتوفر لمساعدة رائد الفضاء الذي يمكن أن يكون مصاباً بحالة طبية خطيرة تستدعي القيام بتدخل طبي عاجل هو إرجاع الرائد إلى الأرض في أسرع وقت ممكن، ولكن هذا ليس سهلاً، حيث سيكون على ناسا بالتعاون مع روسكوزموس “وكالة الفضاء الروسية”، إطلاق صاروخ إضافي غير مجدول من طراز (سويوز) لإنقاذ حيات رائد الفضاء المريض، وهذا من شأنه أن يضع العديد من العقبات في وجه البعثات الأخرى التي كان من المخطط لها أن تنطلق على التوالي، كما أنه سيكون على جزء من طاقم محطة الفضاء الدولية أن يعود مع الرائد المريض إلى الأرض أيضاً، وذلك لأن صاروخ (سويوز) يحتاج على الأقل لثلاثة رواد فضاء لقيادته، لذلك فإن ثمن هذه المهمة لن يكون رخيصاً.

بعد كل شيء وعلى الرغم من أن الإخلاء الطبي سيكون بمثابة كابوس لوجستي، إلّا أنه على الأقل لا يزال خياراً مفتوحاً أمام ناسا في الوقت الراهن، ولكن هذا لن يكون الحال بالنسبة لمساعيها المستقبلية، فخلال المهمة الطويلة الأمد التي من المقرر القيام بها إلى المريخ، لن يكون لدى رواد الفضاء خيار الرجوع إلى الأرض في حال حصول أي حالة مرضية خطيرة، وهذا يعني أنه لا بديل عن التعامل مع أي حالة طبية في الفضاء، وهنا يأتي دور (دونوفيل) وفريقها، حيث أعلن معهد (NSBRI) مؤخراً عن منحه لجائزة للشركة التي ستستطيع تطوير أدوات تشخيصية وعلاجية يمكن استخدامها خلال الرحلات الفضائية.

إحدى هذه الشركات هي شركة (Sonomotion)، وهي شركة مصنعة للأجهزة الطبية تعمل على تطوير أساليب جديدة لتشخيص وعلاج حصى الكلى، وبدعم من (NSBRI)، تعمل (Sonomotion) حالياً على تطوير تكنولوجيا تستخدم الموجات فوق الصوتية يمكن استخدامها على متن المركبات الفضائية لالتقاط صور للكلى، على أمل أن تكون قادرة على رؤية الحصى فيها قبل أن تصبح كبيرة جداً، وسيكون بالإمكان بعد ذلك استخدام تكنولوجيا الموجات فوق الصوتية ذاتها لتغيير موقع الحصى.

بحسب (أورين ليفي)، وهو الرئيس التنفيذي لشركة (Sonomotion)، فإنه يمكن تغير مكان حصى الكلى باستخدام الموجات فوق الصوتية المركزة بطريقة غير جراحية، فإذا كان بالإمكان دفع تلك الحصى مرة ثانية إلى داخل الكلى، فإن هذا يمكن أن يخفف الضغط قليلاً، وهذا يمكن أن يغير طبيعة الحالة من حالة طارئة إلى حالة لا تحتاج إلى تدخل جراحي مستعجل.

ولكن إذا ما كان رائد الفضاء يرغب في إزالة الحصى تماماً فقد تمتلك شركة (Sonomotion) حل غير جراحي أيضاً، حيث تعمل الشركة على تطوير تقنية تسمى بالموجة المحطمة التي يمكن استخدامها في البعثات الفضائية، وهذه التقنية تعمل على توظيف الموجات فوق الصوتية لتحطيم الحصى تماماً وهي ما تزال داخل الجسم، ويشير (ليفي) إلى أن هذا الجهاز سيكون قادراً على تحطيم الحصى باستخدام ضغط بؤري أقل بـ10 مرات من الأساليب القائمة حالياً، وهذا المستوى المنخفض جداً من الطاقة سيكون قادراً على استبدال التخدير العام الذي عادة ما يتم استعماله في هذه العمليات.

تعتبر شركة (Sonomotion) واحدة من العديد من الشركات والمؤسسات البحثية التي تعمل على تصنيع الأدوات الطبية التي يمكن لناسا استخدامها أثناء المهام الفضائية البعيدة المدى.

بالإضافة إلى ذلك، يشير بعض الباحثين إلى ضرورة وجود شكل من أشكال الجاذبية الاصطناعية في المهام الطويلة الأمد، وذلك لأن الأجهزة والأعضاء البشرية تطورت على مدى آلاف الأجيال لتتأقلم مع الجاذبية على كوكبنا، لذلك عندما ستواجه جاذبية معدومة للمرة الأولى، فإنها لن تكون قادرة على العمل بأفضل قدراتها، حيث أن الإقامة الطويلة في بيئة ذات جاذبية صغرى يمكن أن يؤدي إلى تراكم السوائل في الرأس، وإصابة العيون والرؤية بالضرر، وحتى التعرض لضمور العضلات.

تشير (دونوفيل) إلى أن هناك فكرة قد تكون مجدية في هذا السياق، وهي ألا يتم الاعتماد على تدوير كامل المركبة الفضائية للحصول على بعض الجاذبية، بل عوضاً عن ذلك أن يتم ربط جهاز للطرد المركزي ذو ذراع قصيرة إلى المركبة الفضائية، حيث يمكن للشخص عند دخول هذه الوحدة أن يبدأ بالدوران، ومن خلال دورانه داخل تلك الوحدة يمكن أن يتم خلق مجال من قوى الجاذبية، وعلى الرغم من أن العلماء لا يعرفون بعد إن كان ذلك يمكن أن يحل محل قوى الجاذبية بشكل كامل من ناحية الحفاظ على الصحة الإنسانية، إلّا أنهم سيتمكنون من معرفة ذلك بعد إجراء بعض البحوث.

أما بالنسبة للحالات التي تتطلب إجراء تدخل جراحي مفتوح، فلم تستطع ناسا حتى الآن الوصول لإيجاد حل مناسب لها، حيث أن القيام بهذا الإجراء سيحتاج إلى الكثير من العمل المعقد، مثل الحفاظ على بيئة معقمة تماماً من الغبار الذي يطوف في بيئة المركبة الفضائية، ناهيك عن التوصل لإيجاد طريقة تمكنهم من السيطرة على سوائل الجسم كي لا تعوم بعيداً في الهواء، وتضيف (دونوفيل) أن إجراء عمليات جراحية في بيئة معدومة الجاذبية أمر ممكن، ولكن ناسا لا تملك الأموال الكافية للاستثمار في هذا المجال بعد.

نهاية تجدر الإشارة إلى أن ناسا لم تتكبد حتى الآن تكاليفاً إضافية بسبب إصابة أحد رواد الفضاء التابعين لها بحالة طبية تهدد الحياة خلال مهمة فضائية، ولكن تقول (دونوفيل) إن المسألة لا تتعلق بالتساؤل هل ستحصل هذه الحالة أم لا، بل تتعلق بالتساؤل عن الوقت الذي ستحصل به.