التدريب العقلي يساعد على تحسين حالات الفصام

19 نوفمبر , 2014

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

http://nok6a.net/?p=9533

تعتبر الحقيقة عقداً اجتماعياً مبرماً ما بين جميع البشر، فجميع البشر يتفقون على حقائق أساسية تمثل ماهية الأشياء الحقيقية التي توجد في الحياة، ولكن يوجد أشخاص لا ينسجمون مع هذا النوع من العقود، وهذا ما دفع العلماء لابتكار أدوية انفصام الشخصية في ستينيات القرن الماضي والتي كانت تبدو على أنها علاجات ثورية، كونه قبل ابتكار هذه الأدوية كانت علاجات الفصام قاسية جداً، فبحسب الدكتورة (صوفيا فينوغرادوف)، وهي طبيبة نفسية وباحثة في مركز سان فرانسيسكو الطبي (VA)، فإن العلاجات السابقة كانت تتضمن لف المرضى بالمناشف المبللة، وحبسهم في زنزانة مبطنة، أو حتى إجراء جراحة للفص الدماغي الأمامي إذا تحول سلوك المريض ليصبح خارج نطاق السيطرة.

تعمل الأدوية المضادة للفصام على تهدئة الأعراض التي تخيف الأشخاص عادةً، حيث تخفض مستوى المعتقدات الغريبة والرؤى المختلقة، ولكن بالنسبة لبعض الأشخاص فإن هذه الأدوية لا تعمل بشكل فعّال، وذلك نتيجة للآثار الجانبية السيئة التي تسببها، فهي تجعل الأشخاص يكتسبون أوزاناً إضافية، أو قد تسبب لهم حالة من الرعاش أو تجعلهم يشعرون بالكسل والنعاس، كما أن بعض الأشخاص المصابين بالفصام يقولون انهم لا يريدون للتخلص من هلوساتهم لأنها تشكل جزءاً من شخصيتهم.

بالنسبة لـ (فينوغرادوف) وغيرها من الباحثين الذين يدرسون المرض، فإن مضادات الفصام لا تعمل حقاً على علاج المرض نفسه، بل هي في الحقيقة تعالج أحد أعراضه، حيث أن الأدوية لا تعالج الاختلالات المعرفية الكامنة التي تعيق قدرة الأشخاص على الحصول على حياة مرضية وناجحة، ولمعرفة كيفية إيجاد علاج جيد للفصام، يجب أولاً التعرف عليه بشكل أفضل.

الفصام يعني حرفياً “انقسام العقل”، وعادةً ما يظن العامة بأن الفصام، هو مرض يسبب لصاحبه أفكار غريبة، مثل الاعتقاد بوجود الغبار الكوني، أو أن مكتب التحقيقات الفيدرالي يتتبعه، إلّا أن هذه التصورات التي يمتلكها العامة عن الفصام لا تمثل وجهة نظر العلم، فتبعاً للدكتور (دانيال ماثالون)، وهو عالم أعصاب في جامعة كاليفورنيا، في سان فرانسيسكو، أنه إذا أردنا فهم حقيقة الفصام، يجب علينا البحث عن الكيفية التي يبدأ فيها هذا المرض، فإذا تتبعنا حياة المصابين بالذهان من مراحلها الأولى، فنلاحظ أن الأطفال يكبرون بشكل جيد دون ظهور أي مشاكل تذكر عليهم، ولكن في مرحلة ما- وعادةً في سنوات المراهقة- يمكن ملاحظة حدوث انخفاض في مستوى انتاجياتهم، كأن يحصل تغيّر في مستواهم الدراسي مثلاً، أو ميلهم لأن يصبحوا أكثر انعزالاً عن المجتمع، فمن المفترض أن تكون مرحلة المراهقة هي المرحلة الحياتية التي يزدهر فيها الفكر، ولكن بالنسبة للمراهقين الذين يتطور لديهم مرض انفصام الشخصية، فما يحصل في تلك المرحلة من حياتهم هو العكس تماماً، حيث يبدون أكثر فقداناً للتركيز، لذلك يمكن تعريف الفصام بأنه في جوهره عبارة عن تراجع في وظائف الدماغ الأساسية، وغيرها من القدرات مثل الذاكرة والمهارات الحركية الأساسية حيث أنه يشابه تقريباً الخرف الذي يصيب الشباب.

إضافةً إلى ذلك فالمصابين بالفصام يعانون من ظاهرة “البروز”، فالأشخاص العاديين يمكنهم سماع صوت إنذار سيارة من مسافة بعيدة، ولكنهم بالكاد ينتبهون له، حيث أن الدماغ يستطيع أن يعرف على الفور أن صوت الإنذار ليس بارزاً ويمكن تجاهله، ولكن لدى الأشخاص المصابين بالفصام فإن الأمر يبدو وكأن الفلتر العقلي قد انكسر، حيث يقوم الدماغ لدى الأشخاص المصابين بالفصام بمحاولة معالجة كافة المعلومات التي تعترض الشخص وكأنها جميعاً ذات معنى، وبذات الأهمية، وإن تكدس هذه المنبهات الإضافية، والبيانات الاضافية، هو ما يؤدي للإصابة بالهلوسة، فالعقل يحاول أن يعطي جميع تلك المعلومات معنى، مما يؤدي إلى حصول الهلوسة.

إن الهدف الحالي للباحثين بخصوص مرض انفصام الشخصية هو مساعدة الأشخاص المصابين بالفصام على التفكير بشكل أكثر وضوحاً، بدلاً من إزالة الأوهام من رأس المرضى عن طريق الأدوية، وإحدى الطرق المقترحة للوصول إلى هذا الهدف هي باستخدام الأدوية التي تهدف إلى تحسين الذاكرة ووظائف الدماغ الأساسية، ولكن بما أن شركات الأدوية لم تستطع حتى الآن الوصول لإنتاج دواء يساعد على تحسين هذه الوظائف بشكل فعّال، فقد اتجه الأطباء لوصف الأشياء التي تبدو مفيدة للدماغ مثل حبوب زيت السمك وممارسة الرياضة، وحالياً تقوم الدكتورة (فينوغرادوف) في عيادة الصحة العقلية بإجراء دراسات لمعرفة ما إذا كان يمكن أن يتم إعادة تعليم الدماغ باستخدام ألعاب الكمبيوتر المصممة لتدريب الأشخاص الذين يعانون من مرض انفصام الشخصية عن طريق  التحكم بالتشتت والتركيز على تعليمات بسيطة.

تجدر الإشارة أخيراً إلى أن هذه الطريقة ليست ناجعة مع جميع مرضى انفصام الشخصية، فبحسب (فينوغرادوف)، فإن الأشخاص الذين يعانون من سماع الأصوات أو الأوهام العنيفة جداً لا يمكن أن يستفيدوا من هذه التقنية، فهم بحاجة لشيء يوقف تدفق هذه الأصوات، لذلك فإن  الدواء لا يزال هو الحل الأفضل لهذه الحالات.