اكتشاف الآلية التي يتقن الدماغ من خلالها المهارات الجديدة

17 مايو , 2015

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

http://nok6a.net/?p=16539

بالنسبة لأي شخص تعلم العزف على آلة موسيقية في يوم من الأيام، لا بد وأن يكون قد وصل إلى مرحلة عزف فيها مقطوعة ما دون “التفكير” فيها أو رؤية النوتات الموسيقية، هذه الظاهرة تعود وفقاً لدراسة تم نشرها على النسخة الإلكترونية من مجلة (Nature Neuroscience) إلى حدوث نوع من الانقطاع أثناء تعلم المهارات الحركية، وهذه النتائج يمكن أن تفسح المجال أمام إيجاد سبل جديدة لمساعدة البالغين في التعلّم بشكل أسرع وجعل الغرف الدراسية أكثر ملاءمة للتعليم.

أجرى باحثون في مجال الأدمغة في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا العديد من المسوحات على أدمغة المتطوعين أثناء قضائهم لعدة أسابيع وهم يتدربون ويحاولون تعلم ستة مقطوعات متتالية تتألف كل منها من 10 علامات موسيقية، وبعد ذلك قاموا بفحص التطور الذي أظهرته بعض الوحدات النمطية في العمل معاً أو الكيفية التي أصبحت من خلالها منفصلة عن بعضها البعض.

وجد الباحثون تبعاً للدراسة أن هناك تعاوناً كبيراً يحدث بين الوحدات النمطية البصرية والحركية، وخاصة في الفترة التي تم فيها الانتقال من مرحلة القراءة البصرية البطيئة إلى العزف السريع في نهاية المطاف، كما تبين أن هناك مناطق أخرى من الدماغ قد تم تسخيرها للعمل على حل المشكلات التي يمكن أن تعترض المشاركين أثناء التدريب، وذلك بالنسبة للمتعلمين السريعين والبطيئين على حد سواء، ولكن ما كان يميز المتعلمين السريعين عن المتعلمين البطيئين هو مدى سرعة التخلي عن هذه الأجزاء من الدماغ، وخاصة المناطق التي تتعلق بالتفكير الاستراتيجي وحل المشكلات.

يشير عالم الأعصاب (سكوت جرافتون) من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، إنه إذا كنت تتقن شيئاً ما ووصلت إلى مستوى الاسترسال في أدائه، ومن ثم عدت لتفكر بطريقة أدائه، فإن هذا يعني بالتأكيد فشلك المحتم.

قام (جرافتون) بالتعاون مع الفيزيائية المتخصصة في نظريات النظم المعقدة (دانييل باسيت) من قسم الهندسة الحيوية في جامعة بنسلفانيا، بتجزئة الصور الدماغية إلى 112 جزء، ومن ثم قاموا بإعادة تنظيمها في مصفوفات معقدة للكشف عمّا يشبه الشبكات الاجتماعية فيها، وبعد ذلك حللوا الكيفية التي تطورت فيها هذه الشبكات مع مرور الزمن، وكيف كان لهذا أثر في ظهور الاختلافات على المستوى التعليمي.

كشف إعادة تنظيم أجزاء الصور الدماغية عن وجود خريطة دماغية ديناميكية تتميز بإعادة توظيف وتكامل وتحول الوحدات النمطية مع مرور الوقت، وتبعاً لـ(باسيت)، فإذا كان الأشخاص يتعلمون ويغيرون سلوكهم خلال فترات حياتهم بناء على ما يتعلمونه، فلا بد أن يكون هناك شيء ما يتغير أيضاً في أدمغتهم، حيث أن الدماغ لا يمكن أن يكون ثابتاً، ولا بد من وجود بعض التغييرات بطريقة ما.

وجد الباحثون أنه على الرغم من أن الوحدات الحركية والبصرية كانت مرتبطة ببعضها بشكل جيد لدى جميع المشاركين ومنذ الجلسات التدريبية الأولى، ولكن سرعان ما أصبحت هذه الروابط أكثر استقلالية، وبحسب (باسيت) فإن هذا الأمر منطقي، لأن تعلم تلك المهارات يتطلب تكاملاً بين الوحدات الحركية والبصرية في البداية، كون المشاركين يرون مجموعة من النوتات الموسيقية وثم يعزفونها بأصابعهم، ولكن بعد ذلك، وبعد أن يقوم المشاركون بالتدرب على هذه النوتات مراراً وتكراراً لا يعود هناك حاجة بالضرورة لوجود هذا الاقتران.

ولكن مع ذلك فإن هذا التغيير في التكامل لا يفسر ظهور الاختلافات في التعلم بين المتطوعين، وتبعاً لـ(باسيت) فإنه على الرغم من أن هذه الظاهرة يمكن ملاحظتها عند الجميع، إلّا أن ما يميز المتعلمين السريعين عن المتعلمين البطيئين هو أن هذا الانفصال عن بقية الدماغ يكون قوياً جداً لدى المتعلمين الجيدين وضعيفاً جداً لدى المتعلمين البطيئين.

هذا الانفصال الذي يظهر بأنه هو المسؤول عن حدوث الفروق في التعلم يأتي أساساً من مقدمة القشرة الحزامية، وهي المنطقة التي ترتبط مع التحكم المعرفي مثل مواضيع تحديد الاستراتيجيات، ولكن بحسب (باسيت) فإن هذه المنطقة قد تكون مهمة في المراحل الأولية من التعلم، وإذا ما أردت إكمال التعلم فإن ما تحتاج إليه هو الروابط التي تتشكل في تلك المنطقة.

تسعى (باسيت) حالياً لتمديد البحوث لتتضمن مشاركين أصغر سناً – حيث أن المتطوعين في هذه الدراسة كانوا جميعهم في سن التعليم الجامعي – ولكي يتضمن أيضاً أنواعاً أخرى من التعلم الأكثر تعقيداً، كما تشير إلى أنه قد يكون من الممكن تجربة تحريض هذه المناطق لفصل ارتباطها لدى المشاركين البالغين من خلال استخدام أدوات مثل التحفيز المغناطيسي.

في النهاية تجدر الإشارة إلى أن التقنيات المستخدمة في هذه الدراسة يمكن أن تساعد على معرفة كيفية تهيئة البيئة في الصفوف الدراسية لتشجيع الأطفال على التعلم بشكل أسرع، والأهم من ذلك أن النماذج الرياضية المستخدمة في هذه الدراسة يمكن أن تغير من الطريقة التي يتعامل فيها علماء الأعصاب مع خريطة الدماغ.