إستعمار الفضاء .. خطط جديدة .. البكتيريا بدل الإنسان

18 أبريل , 2018

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

http://nok6a.net/?p=23582

تزخر كتب الخيال العلمي بالعديد من الآراء والفرضيات والتصوّرات المتعلّقة بالعوالم الخارجية و إستعمار الفضاء والمجرّات وطرق التواصل معها، ومع السحر التكنولوجيّ الهائل الذي نعيش أطواره، صار يمكن للخيال المجنّح أن يبحر بعيدًا في عوالم المجرّات الفضائيّة، مع قليلٍ من التمرّد على قوانين الطبيعة والفيزياء، وهو ما قام به عددٌ من العلماء، الذين رأوا أنه بالإمكان اتباع نهجٍ آخر أكثر سهولةً لنشر الحياة في العوالم الفضائيّة، إذ يمكن للبكتيريا البقاء نائمةً لملايين السنين في ظلمة الفضاء الكوني السحيق، فلم لا نقوم بزرع تلك الكائنات الأرضيّة الدقيقة في تلك العوالم الفضائية بشكل متعمد؟

عقباتٍ عديدةً تواجهها تلك النظريّة المبتكرة التي سميّت بنظريّة البذور الكونية “panspermia”، أكبر من مجرّد الصعوبات التقنية، حيث يقول كلوديوس جروس، عالم الفيزياء بجامعة جوته في فرانكفورت، وصاحب فكرة زرع البكتريا والطحالب على كواكب خارج المجموعة الشمسيّة، أن النقاد ذوي التفكير الديني يدّعون “أننا نلعب مع الله”، وبأن “تلويث” الكواكب الأخرى بهذه الطريقة يخاطر بتغيير أو حتى تدمير النظام البيئي هناك، علمًا بأن انتقاداتهم قد تأخذ طابعًا أكثر حدّةً، بمجرّد انتقال النظريّة من الورق إلى أرض الواقع.

إحدى المشروعات التي تؤمن بتلك النظريّة ترعاه وكالة ناسا، ويدعى مشروع Starlight، وآخر تبنّاه الرأسمالي الروسي المغامر يوري ميلنر، واسمه مشروع Breakthrough Starshot، علمًا بأن كلي المشروعين يعتمد على أفكار د.فيليب لوبين من جامعة كاليفورنيا ، سانتا باربرا (UCSB)، والذي يقترح استخدام أشعة ليزر قوية لدفع المركبة الفضائية المرفقة بأشرعة الضوء نحو المجرّات القريبة، والتي تبدأ بAlpha Centauri، الأقرب إلى الأرض، بحيث تكون الأشرعة الضوئية رقيقة، وذات أوراقٍ عاكسةٍ كبيرةٍ بما يكفي لتحمّل ضغط أشعة الضوء، التي تضيء لتوفير قوة تسريعٍ كافيةٍ في فراغ الفضاء.

وعلى الرغم من أن أشعة الليزر المتوفّرة حاليًا ليس بإمكانها تحريك مثل هذا الشراع، إلّا أن مبدأ الإبحار الخفيف بواسطة المركبات الفضائية التي تنشر أشرعةً تحركها أشعة الشمس، قد يفي بالغرض، إذا كان الشراع كبيرًا بما فيه الكفاية، والمركبة صغيرةً بما فيه الكفاية، والليزر المساعد قويًا بما فيه الكفاية، وهذا يجعل الرحلات إلىAlpha Centauri -التي تبعد عن الأرض أكثر من 4 سنواتٍ ضوئية- ممكنةً جدًا، وخاصّةً مع تقلّص حجم الأدوات الإلكترونيّة، إلى درجةٍ يمكن أن تحمل فيها المركبة الفضائية التي تزن غرامًا واحدًا أدواتٍ مفيدةً، يمكن أن تحمل الكثير من البكتيريا.

في مشروع Starlight الذي ترعاه وكالة ناسا، يدرسون حاليًا فكرةً جدليّةً، تهدف لاصطحاب كائناتٍ صغيرةٍ وبسيطة مثل Tardigrades إلى الفضاء لرؤية كيفيّة تفاعلها، على الرغم من جزمهم بحقيقة أنه لا يمكن للكائن الحيّ أن يحيا أو يتكاثر بدون النظام البيئي الداعم له، أما مشروع Breakthrough Starshot الخاص، فلا يعاني من مثل هذا الجدل، إذ أكّد الدكتور غريغوري ماتلوف، عالم الفيزياء في كلية نيويورك سيتي للتكنولوجيا وأحد مستشاري الدكتور ميلنر، أن المشروع لم يقرر حتى الآن إرسال أيّ حزمٍ جرثومية، لأن إرسالها سيضعهم في مشكلةٍ عمليّةٍ تكمن في الجهاز المطلوب لحمل تلك الحزم، والذي سيكون ثقيلاً للغاية، وهو ما لا يجده الدكتور جروس مشكلةً على المدى البعيد، مع تطوّر تكنولوجيا صناعة الأدوات بدقّةً أعلى ووزنٍ أخف.

كما أن عائقًا آخر قد يهدّد رحلة المركبات الفضائيّة الطويلة في الفضاء السحيق، هو أن أدواتها الإلكترونيّة قد تتلف بتأثير الإشعاع الذي يمتلئ الفضاء به، والذي يقوم بإزاحة ذرات المواد الصلبة ببطء، ولكن بحسب الدكتور جروس، إذا تم تسخين هذه الأجهزة دوريًا بواسطة مولدٍ حراريٍ كهربي يستخدم النظائر المشعة، فإن معظم الذرات المعزولة سوف تستعيد مواقعها السابقة.

وتقترح وكالة الفضاء اليابانية “هاجيمي يانو” JAXA ، طريقةً لمواجهة خطر كسر جزيئات البكتيريا الحيّة بفعل الإشعاع الكوني، تقضي بتعديل الحمض النووي في تلك الكائنات من أجل مزيدٍ من المتانة، وذلك باستخدام تقنيات البيولوجيا التخليقية، وهو ما يبدو ممكنًا لدى كائنٍ طبيعيٍ واحدٍ على الأقل، هو بكتيريا Deinococcus radiodurans ، التي تمتلك آلية إصلاح الحمض النووي DNA لإعادة بناء الجينات بشكلٍ صحيحٍ بعد التعرض الشديد للإشعاع.

ولمواجهة مشكلة تسليم حمولة المركبة عند الوصول إلى الكوكب المستهدف، يقترح الدكتور جروس أنه يمكن أن تتباطأ المركبة أولاً عن طريق فتح حلقةٍ كبيرةٍ من النحاس والخزف الفائق التوصيل مع موجة من الكهرباء، إذ إن التيار في هذه الحلقة من شأنه أن يخلق مجالاً مغناطيسيًا ينقل الطاقة الحركية تدريجيًا إلى ذرات الهيدروجين، وبمجرد الوصول إلى حقل الجاذبية في الكوكب المستهدف، يمكن للمركبة استخدام مسدسٍ كهربائيٍ كهرومغناطيسيٍ دقيقٍ لإطلاق حمولات الميكروبات من الخلف بسرعة، لتسقط الحمولات بلطفٍ على سطح الكوكب.

ويطرح سؤالٌ آخر نفسه: لماذا علينا تأييد نظرية panspermia رغم ما تحمله من عوائق؟ ويجيب عن ذلك مايكل ماوتنر، عالم الكيمياء الحيوية بجامعة فرجينيا كومنولث، بقوله: إذا كان للحياة هناك أي فائدةٍ للبشر فهذا يكفي، وقد تكون تلك المحاولات مقدّمةً للاستعمار البشري لتلك الكواكب في المستقبل البعيد، رغم أن ذلك قد يستغرق مئات الآلاف، إن لم يكن ملايين السنين.

إن كيفية معرفة ما إذا كان الكوكب مأهولًا بالفعل أم لا، مازال مسألةً مطروحةً للنقاش، حيث يزعم البعض أنه يمكن التحقّق من ذلك بفحص كمية غاز الميثان في الهواء الغني بالأكسجين، لأن الميثان يتم تحويله بسرعةٍ بواسطة الأكسجين إلى ثاني أكسيد الكربون والماء، غير أن المريخ لا يبدي أي علامةٍ على عدم التوازن الكيميائي، ومع ذلك فإن الكثيرين ما زالوا يأملون في أن يثبت أنه يدعم كميةً محدودةً من الحياة البسيطة، حيث يعتقد كريس ماكاي، عالم الفضاء في وكالة ناسا، أن هناك الكثير من البكتيريا الأرضية بالفعل في المرّيخ، وحسب آن كريوسيتي، أحد رواد المركبة الفضائية في المريخ التابعة لوكالة ناسا، فإنّه حمل نحو 300 ألف من تلك البكتيريا الأرضيّة إلى هناك، نصفهم تقريبًا هلك تمامًا بفعل الإشعاعات التي تعرّضت لها المركبة في السنوات ال5 ونصف منذ هبوطها، ولكنّ النصف الآخر ربما يكون خاملًا ولكنه حيّ، وعندما يصبح الغلاف الجوي للمرّيخ أكثر سماكةً فسوف يصبح أكثر دفئًا، ممّا يسمح لتلك المخلوقات باستعادة نشاطها، والشروع في التكاثر.

قد يتغيّر الغلاف الجوي للمريخ في نهاية الأمر بشكلٍ طبيعي، حيث أن الشمس تطلق المزيد من الحرارة وتبخر ثاني أكسيد الكربون المجمد، ولكن هذا يستغرق مئات الملايين من السنين، وهنا يتساءل د.مكاي: هل يجب علينا نحن البشر استخدام غازات الاحتباس الحراري لتسريع العملية بغية تهيئة مكانٍ قابلٍ للحياة؟ أم ينبغي علينا إزالة جميع المركبات والمعدّات من المريخ لتجنب مخاطر انتشار الكائنات الدقيقة؟

لا يوجد إجماعٌ حول هذه التساؤلات، ولا حول الآراء المتشعّبة عن نظريّة panspermia، ولكن على أولئك الذين يميلون إلى سحق مثل هذه الجهود قبل أن تبدأ، أن يفكّروا في حقيقةٍ مثيرة للفضول:

بما أن الحياة نشأت بسرعةٍ مذهلةٍ على كوكب الأرض، كما لو أنّها انتقلت من عوالم أخرى، فلم لا يتكرّر هذا الانتقال مرّةً أخرى؟